المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال نصّار Headshot

السيسي والبرلمان وإلهاء الرأي العام

تم النشر: تم التحديث:

في كل برلمانات العالم المحترمة، يسعى النائب المنتخب من الشعب إلى تحقيق آمال وطموحات منتخبيه، بل إنه يمثل الأمة في مطالبها أمام الرأي العام، وهدفه في الأساس هو تحقيق مبدأ المحاسبة والمراقبة لأداء الحكومة، ووضع التشريعات التي تساهم في نهضة الدولة.

ولكننا نرى ونشاهد في برلمان السيسي الذي شكلته المخابرات الحربية، أننا أمام مهزلة حقيقية، وهرتلة مستمرة، مشادات، وانسحابات، واتهامات متبادلة، في مشهد يبدو أقرب للسيرك منه للمجلس النيابي، وانشغل النواب بمشاكلهم الشخصية وعُقدهم النفسية، ولم نرَ حتى الآن حرص النواب على مصلحة المواطن البسيط والسعي لحلها. فبين ضرب عكاشة بالحذاء إثر تطبيعه مع السفير الإسرائيلي، وهرتلة مرتضى منصور المستمرة، وقضية تيمور ونائبات البرلمان، والخلافات حول حوافز الجلسات، تدور معظم الحوارات داخل المجلس!

يقول الشاعر: إذا كان ربُّ البيت بالدف ضاربًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص. فالمشهد العام في مصر للأسف ينمّ عن أزمة حقيقية وطمس للهوية المصرية..

فنرى على سبيل المثال قائد الانقلاب في لقاءٍ سماه "استراتيجية مستقبل مصر للتنمية في 2030" بدلاً من حديثه عن خطته ورؤيته للمستقبل لحل مشاكل المصريين، يقف ليتوعد الجميع ويرسل تهديداته هنا وهناك كأنه في كتيبة عسكرية، ثمّ يدّعي أنه "يهدف إلى جعل مصر ضمن أفضل ثلاثين دولة على مستوى العالم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومكافحة الفساد، فضلاً عن مؤشرات جودة الحياة والارتقاء بمعدلات النمو إلى 10% سنويًّا مع مراعاة الأبعاد السياسية والاقتصادية والبيئية، وتتكامل تلك الأهداف مع احترام حقوق الإنسان وضمان سيادة القانون، فضلاً عن سياسة خارجية نشطة وفعالة ومتوازنة"..

هذا كلام قاله السيسي فعلاً وروّج له في زياراته الخارجية. وكلمات السيسي وخطبه ولقاءاته يتابعها العديد بشغف ليس داخل مصر فقط، بل على مستوى العالم، لأنها أصبحت باختصار مادة خصبة للسخرية.
والحقيقة المُرة التي يعرفها السيسي قبل غيره أنه يكذب ويعلم أن الجميع يعرف أنه يكذب، ولكنه يظن أنه يتجمل. فالتنمية الاقتصادية ما هي إلا نتاج مجتمع متماسك ومترابط، ولكن المجتمع المصري الآن مفكك يعادي بعضه بعضًا.

أين هي المؤشرات التي تشير من قريب أو بعيد على أن مصر ستكون من أفضل دول العالم في التنمية الاقتصادية، ونرى انهيارًا واضحًا يزداد يوميًّا بعد يوم؟! مما جعله يدعو عموم المصريين أن يُصبِّحوا على مصر بجنيه واحد كل يوم. ثم يدَّعي أنه يحارب الفساد، الذي هو من صنيعته، ويظن أن العقلاء لا يرونه ولا يعلمون ما يجري في مصر.

والأنكى والمضحك في ذات الوقت أنه يريد أن يُحدث نقلة نوعية في احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون. أظن أن الممارسات اليومية للشرطة المدنية والعسكرية تدل دلالة واضحة على انتهاك أبسط حقوق الإنسان في مصر بأساليب التعذيب الوحشية التي تحدث في عهده، ولم يشهدها تاريخ مصر الحديث أو القديم.

هذا الجنرال يستخفّ بعقول البسطاء، وأصحاب المصالح للأسف يدعمونه، وطبيعي جدًّا أن يكون في عهده برلمان لا همّ له إلا إلهاء وإشغال الرأي العام بالقضايا التافهة التي يروج لها الإعلام الذي هو من صنيعته أيضًا.

فالشعب المصري لا يكاد ينتهي من قضية اجتماعية أو ثقافية بطلها الإعلام، إلا وتبدأ الفضائيات في عرض أخرى أكثر جدلية من التي سبقتها، فتدخل تلك الفضائيات التي صنعت الحدث في جدال سياسي وديني وثقافي ينتهي بقضية جديدة هي من صُنع الإعلام الذي تحول دوره من نشر الوعي، واستعراض هموم الناس والدفاع عنها، إلى صناعة الأحداث لجذب الرأي العام نحو قضايا أخرى تشتت تفكيرهم وتصرفهم عن أوجاعهم اليومية المتزايدة بفعل غياب الأمن وتراجع الاقتصاد وعبث السياسة.

أقول إن مصر في خطر حقيقي، إن لم تتحرك البقيّة الباقية من العقلاء لإنقاذ الوطن، فستنهار كل المؤسسات بفعل السيسي ومن حوله من أصحاب المصالح والعاهات. فكل المؤشرات تقول إن شعب مصر قد يدفع حياته بكل ما تحمله الكلمة من معنى ثمنًا لهذا الأداء البائس في التعامل مع المصريين، ولنأخذ مثالاً واحدًا على ذلك، وهو مشروع سد النهضة الإثيوبي، الذي تتفق معظم التقارير الدولية على أنه يفتقد إلى الحد الأدنى من الدراسات التي تضمن تقليص أي آثار سلبية له سواء على مصر أو حتى على منطقة حوض النيل ككل، فطريقة تعاطي النظام الحاكم مع هذا الخطر بنفس الطريقة الفاشلة التي يتعامل بها مع الكثير من الملفات التي تشغل عموم المصريين وتمس لقمة عيشهم، وأمنهم واستقرارهم، ومن ثمّ يحيط الخطر بالمصريين من كل جانب بسبب تلك السياسة البلهاء، ويهددهم في أهم مصدر لحياتهم، دون اعتبار لمصير هذه المغامرة غير المحسوبة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.