المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غالب دالاي  Headshot

إرهاق إنتخابي في تركيا

تم النشر: تم التحديث:

خرجت تركيا من انتخابات السابع من يونيو/حزيران لعام 2015 ببرلمان بلا أغلبية. أنهت تلك الإنتخابات حكم حزب العدالة والتنمية التركي الذي ساد لثلاثة عشر عامًا، وعاد خيار تشكيل حكومة تحالف إلى المشهد.

كان معارضو الحزب متفائلين في البداية بإمكانية إقصاءه عن التشكيل الحكومي. منطقهم كالآتي: الاقصاء هو أبلغ رد على سياسات الحزب الخاطئة، ومحاسبة واضحة للمسئولين التابعين له. يتجاهل من يفكرون بهذا المنطق كم سيتشابه هذا مع السياسات الإقصائية لحزب العدالة والتنمية، وعلى أي أسس يمكن تشكيل حكومة ائتلافية.

لو وضعنا جانبًا المعارضة الشديدة للوصاية الدائمة من حزب العدالة والتنمية، فإن هذا المنطق لم يوفّر حججًا مقنعة أو ذات مصداقية تكفي لتشكيل تحالف يضمّ هذه الأحزاب، متجاهلًا الإختلافات الواسعة بينها سياسيًا، لم يضع في الإعتبار اختلاف أهداف وطموحات قواعدها الإجتماعية، وافترض أن معارضة حزب العدالة والتنمية كافية للتغلب على الخلافات بين القوميين الأكراد والأتراك، في سبيل منع حزب العدالة والتنمية من أن يكون الحزب الحاكم،حيث كان هذا طرحًا نخبويًا معيباً منذ البداية.

إن اي سيناريو آخر للحكومة الإئتلافية -حزب الشعب الجمهوري، حزب الحركة القومية اليميني، حزب الشعوب الديمقراطي - سيؤدي إلى وجود حزب العدالة والتنمية كشريك أكبر في الحكومة.

وبالنظر إلى التوتر السابق والتالي للإنتخابات والصراع المشتعل بين حزب العمّال الكردستاني وتركيا، فإن تحالف حزب الشعوب الديمقراطي مع حزب العدالة والتنمية ليس محتملًا، الاختيارات المتبقية هي إما أن يتحالف العدالة والتنمية مع حزب الشعب الجمهوري، أو أن ينشيء إئتلافًا يمينيًا مع الحركة القومية، ومنذ اليوم الأول استبعد قائد حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، أي خيارات للتحالف مع العدالة والتنمية.

وإلى جانب هذا الرفض، فإن دعوات الحزب لإنهاء عملية السلام مع الأكراد من الأصل، ورفضها منح أي حقوق ثقافية ديمقراطية للأكراد، ونزاعاتها السياسية مع رجب طيب أردوغان وطلبها منه أن يخلي القصر الرئاسي الحالي ويعود إلى القصر الرئاسي القديم، كل هذا جعل تشكيل حومة إئتلافية بين الحزبين غير محتمل.

على الجانب الآخر، فإن العدالة والتنمية، والشعب الجمهوري دخلا في نقاشات مغلقة لتشكيل حكومة، لكنها لم تسفر عن شيء.

بينما أرجع حزب الشعب الجمهوري فشل المفاوضات إلى معارضة الرئيس أردوغان، ركّز العدالة والتنمية على إبراز الإختلافات في آراء ومواقف الحزبين من القضايا السياسية الكبرى. كما أكد على أن المحادثات أثبتت تباين سياسات الحزبين فيما يتعلق بملفات التعليم والسياسة الخارجية وبأنها لا تقبل المساومة.

وعلاوة على ذلك، أشار العدالة والتنمية إلى سبب آخر وهو المعارضة الواسعة من قواعده الإجتماعية لأي تحالف مع حزب الشعب الجمهوري.

في النهاية، فإن الحزبين كانا على النقيض طوال الوقت. العدالة والتنمية هو الممثل الرئيسي للقاعدة الإسلامية المحافظة، بينما يمثّل حزب الشعب الجمهوري القطاع العلماني "الكمالي" من المجتمع. هذا الشقاق بين الخطّين الإسلامي والعلماني كان وما زال أحد الأسباب الرئيسية للإنقسام المجتمعي السياسي في تركيا.

وبينما تتقلّص المسافات الإجتماعية بين المجموعات مختلفة الهوية - الأكراد والأتراك، العلويين والسنّيين، العلمانيين والإسلاميين، فإن هوّة الإستقطاب السياسي تتسع. لم ينبع هذا الإستقطاب من المستوى المجتمعي ولكن من قمّة الهرم، حيث كان سياسيًا في طبيعته وسبّبته قرارات وأفعال النخبة السياسية، خاصّة بين المعسكرين الإسلامي والعلماني. كانت حكومة إئتلافية مكوّنة من ممثلين عن التيارين الإسلامي والعلماني لتخفف من حدّة الإستقطاب كثيرًا، لتزيح عقبة كبيرة في وجه السياسة التركية المعاصرة.

"تكوين حكومة منتخبة"
في هذه المرحلة، تبقى لتركيا حل واحد، المتمثل بالإنتخابات جديدة، وهو ما أعلن عنه أوردوغان بعد استشارته للمتحدّث الرسمي باسم البرلمان حول استخدامه لسلطته التشريعية، والحصول على موافقة البرلمان، في سابقة هي الأولى في التاريخ السياسي التركي، حيث أعلن أردوغان أن إعادة الإنتخابات ستتم في أول نوفمبر/تشرين الثاني، وأنه سيطلب من رئيس الوزراء، أحمد داوود أوغلو، تشكيل حكومة تسيير أعمال في خلال خمسة أيام من يوم الخامس والعشرين من أغسطس/آب.

الطبيعي أن يكون هناك ممثلين لكل أحزاب البرلمان في هذه الحكومة - كما يقتضي التشريع. لكن حتى الآن، لم يوافق سوى حزب الشعوب الديمقراطي الداعم للأكراد على المشاركة في الحكومة، بينما رفض حزبا الحركة القومية والشعب الجمهوري المشاركة. هنا يُطرح سؤالان: إلى أي مدى ستختلف نتائج إنتخابات نوفمبر/تشرين الثاني عن سابقتها؟ وكم ستستفيد السياسة الكردية من وجود حزب للأكراد في موقع سلطة.

"ماذا يجب أن نتوقع من هذه الحكومة"
من المقامرة اللجوء لانتخابات جديدة لن تفرز على الأرجح صورة سياسية مختلفة كثيرًا، لكن حزب العدالة والتنمية ينقصه 18 عضو إضافي في البرلمان ليكون حكومة الحزب الواحد، وهي قفزة ليست ببعيدة. لتحقيق ذلك، من المتوقع أن يركز الحزب على الحاجة لإستكمال مسيرة الإستقرار والرخاء الإقتصادي في فترة حكومة الحزب التي دامت ثلاثة عشر عامًا.

كنتيجة مباشرة، فإنه سيلجأ إلى استحضار شبح الحكومة الإئتلافية غير المستقرّة التي كلّفت تركيا عقدًا كاملًا في التسعينيات، في المقابل، ستلقي الأحزاب الأخرى باللوم على العدالة والتنمية، لإفشال التحالف، ستجادل بأن الحزب لم يعد مصدرًا للإستقرار، بل سببًا في إنعدامه، وفي الركود الإقتصادي.

لا جديد إذن، لا شيء ليقنع الناس بتغيير أصواتها. لذا يُحتمل أن تفرز إنتخابات نوفمبر/تشرين الثاني صورة مشابهة لسابقتها. وإن حدث هذا فسيضعف موقف حزب العدالة والتنمية كثيرًا في المحادثات التالية للإنتخابات، حتى وإن حظى بمقاعد كافية لتشكيل الحكومة فإنها ستكون حكومة هشّة، غير مستقرّة.

وعلى الرغم من أن العدالة والتنمية كان في مقعد الحكم بأغلبية جيّدة بعد انتخابات 2011، فإن عملية الحكم كانت شديدة الصعوبة بسبب التوترات الإجتماعية السياسية في البلاد. وليس من المتوقع أن يذهب هذا التوتر بعد الإنتخابات، بل من المتوقع أن يتصاعد وتتصاعد معه صعوبة المعضلة.

تجدر الإشارة إلى أن دخول حزب كردي في التشكيل الحكومي هو تطوّر مرحّب به. صحيحٌ أنها حكومة تسيير أعمال جاءت في ظروف خاصة، لكن هذا ما زال تطوّرًا مهمًا. الحل السياسي للأزمة الكردية سيعني أن الأكراد وأحزابهم سيصبحون منافسين طبيعيين في أي حكومة قادمة، ومشاركة حزب الشعب الديمقراطي مهمة لتطبيع السياسات الكردية كجزء من تركيا، وهذه التسوية ربما تفرز في النهاية تمثيلًا حقيقيًا للأكراد في القلب السياسي بهويتهم ومطالبهم الخاصة.

الشيء الغريب، هو أنه رغم مشاركة الجناح السياسي للحركة الكردية في حكومة تسيير الأعمال، فإن حزب العمال - الجناح العسكري - سيشن عليها الحرب. يخبرنا هذا أن المرحلة العسكرية من الصراع الكردي يجب أن تنتهي. الأكراد قوّة سياسية ومجتمعية كبيرة ويمكنهم نصرة القضية الكردية من خلال الطرق السياسية والتحالفات مع الأطراف الأخرى في تركيا.

لذا، فإن كان حزب العمال صادقًا في سعيه نحو حل سلمي، فإنه يجب عليه الإستماع إلى كلمات نائب رئيس حزب الشعوب الديمقراطي، الذي قال إن حزب العمال يجب ان يضع سلاحه فورًا من دون أي اشتراطات أو افتراضات قد تفرضها مصطلحات مثل: "لكن، و ماذا لو..".

هناك إرهاق إنتخابي في تركيا، بينما تستعد لإنتخاباتها الرابعة في أقل من عامين. هذه الإنتخابات إما ستنصب حكومة الحزب الواحد بقيادة العدالة والتنمية أو تفرض ثقافة جديدة من التنازل والتوافق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع