المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غالب دالاي  Headshot

استئناف عملية السلام الكردية التركية

تم النشر: تم التحديث:

فتح التفجير الذي وقع في بلدة سروج جنوب تركيا في الـ20 من يوليو/تموز الماضي، والذي راح ضحيته 32 شخصًا ومئات الجرحى فصلًا جديدًا في عملية السلام بين الأكراد والأتراك.

ورغم أن التفجير نفذه على الأرجح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فإن حزب العمال الكردستاني PKK أدان تركيا على الفور وقام بقتل رجلي شرطة انتقامًا، وذلك بعد يومين فقط من وقوع التفجير.

في المقابل مهد هذا الفعل الطريق لتركيا لقصف مواقع حزب العمال الكردستاني داخل العراق، وهي العملية التي تستمر حتى الوقت الحاضر.

ما لم تتم السيطرة عليها واحتوائها، فإن دوامة العنف هذه قد تخرج عن نطاق السيطرة، وبالتالي تلحق خسائر فادحة وعشوائية بالطرفين.

لا شك أن عملية السلام الكردية التركية تمر بمرحلة صعبة. ولا شك أيضًا أن تركيا لا تستطيع تحمل عواقب إنهاء العملية تمامًا. ما لم يكن هناك خيار أفضل، فإن عملية السلام هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يسهل الوصول إلى تركيا أكثر ديمقراطية وازدهارًا، إضافة إلى توفير إطار لمستقبل أفضل للأكراد والأتراك معًا، مع التخلي عن العنف وسفك الدماء.

إذًا كيف على الأكراد والأتراك الآن أن يتقدموا في عملية السلام، خصوصًا بعد اندلاع موجة العنف الأخيرة والعدد الكبير من القتلى على الجانبين؟

التطورات الأخيرة ليست هي السبب، ولكنها أعراض لتخبط العملية.

تكمن الأسباب في أمور أخرى، هيكلية بطبيعتها، وتستلزم منا إعادة النظر في الافتراضات التي عززت حتى الآن هذه العملية، خصوصًا على جانب الحكومة. إذًا من الواضح أن العملية لا تستطيع أن تستمر بالشكل الذي كانت عليه حتى الآن.

قبل الخوض في هذه العوامل والافتراضات، فإنه من الضروري التأكيد على صفة سائدة في عمليات السلام ومفاوضات حل النزاعات بشكل عام.

في مثل هذه العمليات، ليس ثمة طريق واضح مستقيم سلس بين البداية والنهاية. بدلًا من ذلك، فالطريق وعرة. هذه العمليات تستمر مع العديد من لحظات البداية والتوقف، تتخللها فترات دموية وآمال بمحاكمات أو إعادة محاكمات.
إذًا فإن الاقتتال الأخير بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني ليس انحرافًا عن النهج السائد؛ بل على العكس، فإنه صفة واضحة جدًا لعمليات السلام في المجمل. لكن هذا لا يعني أن عملية السلام يجب أن تستمر كما لو أن شيئًا لم يحدث. من شأن هذا النهج أن تكون نتائجه عكسية.

لا يجب أن تعامل هذه العملية كمجموعة من القواعد والإجراءات والمبادئ المنصوص عليها والتي تتطلب التزامًا كاملًا من أطراف النزاع بغض النظر عن التطورات على الأرض.

بدلًا من ذلك، فإن على العملية أن تكون ديناميكية وأن تلتفت للتطورات الحادثة. المدخلات والسياقات والمطالب الجديدة عليها أن تمهد الطريق نحو هيكل جديد، من هنا يجب على تركيا أن تعيد النظر في افتراضاتها السابقة بشأن تجاه عملية السلام وإعادة بنائها بهيكلة جديدة.
افتراضات بلا أساس
أولًا: أحد العوامل التي أفضت إلى الشروع في العملية كان الشعور المسيطر بحدوث حالة جمود في الصراع بين صناع القرار في كل من تركيا وداخل صفوف حزب العمال الكردستاني.

مع ذلك يعتقد حزب العمال الكردستاني بأن التطورات الإقليمية في الوقت ذاته دعمت موقفه بشكل ملحوظ. المنظمة الشقيقة له في سوريا وهي حزب الاتحاد الديمقراطي حققت انتصارات عدة، حيث أقامت مناطق للحكم الذاتي على الحدود مع تركيا، شمال البلاد التي مزقتها الحرب، الأمر الذي يبدو أنه أقنع حزب العمال الكردستاني بإعادة النظر في مواقفه ومطالبه في عملية السلام.

بمجرد أن يتم توحيد مكاسب الأكراد في سوريا، يؤمن حزب العمال الكردستاني أنه حينها سيجلس إلى طاولة المفاوضات مع الأتراك في موقف أقوى، مما يمكنه أن يطالب بتنازلات أكبر.

بناء على ذلك، الحالة المنتصرة الجديدة لحزب العمال الكردستاني حلت مكان وضعها الحرج السابق في النزاع.

هذا التغير في قراءة حزب العمال للشؤون الإقليمية ووضعه داخلها هو أحد العوامل الأساسية التي خفضت عزم حزب العمال الكردستاني في السعي نحو تسوية سلمية للقضية الكردية في تركيا، في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تحولات كبيرة؛ إذ يعتقد حزب العمال الكردستاني أن الأكراد سيخرجون من هذه التحولات في وضع منتصر وأكثر قوة. بالتالي، فإن حزب العمال الكردستاني لم يعد لديه الدافع والحاجة الملحة لمتابعة المسار السلمي لتسوية القضية الكردية.

ثانيًا: كنتيجة طبيعية، أصبحت توقعات الجانبين من أية تسوية محتملة متباينة؛ فحزب العمال الكردستاني لا يرى أن مشكلته يمكن علاجها بإصلاح الخلل في المنظومة الديمقراطية في تركيا، مع الاعتراف أن قدرا من مشاكل الأكراد يرجع للسجل المحزن للديمقراطية التركية.

بالنسبة للحزب فإنه ينظر للمسألة باعتبارها قضية عرقية وطنية، ولذلك فإن أي تسوية يقبلها يجب أن تتيح للأكراد تقاسم السيادة مع الأتراك. وهكذا، فإن التحسينات على النظام الديمقراطي لن تكون مرضية لمطالب وتطلعات الحزب.

ثالثًا: هذه العملية اعتمدت سابقًا في المقام الأول على رجب طيب أردوغان -رئيس وزراء تركيا الذي أصبح رئيسها الآن- وزعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، وهما الشخصيتان السياسيتان الأكثر أهمية للأتراك والأكراد على التوالي.

نظرًا لأهمية ومركزية أوجلان بالنسبة للسياسة الكردية التي يقودها حزب العمال الكردستاني، كانت الحكومة تعتقد أنه يمتلك القوة السياسية الكافية والفطنة اللازمة للحصول على موافقة حزبه على أي صفقة سلام وإطار يبرمهما أوجلان مع تركيا، لكن كان هذا افتراضاً خاطئاً.

يتضح الآن أنه -حتى يتوقف العنف- فإن على الحكومة أن تشرك قيادات كردية أخرى بخلاف أوجلان لأنه ما لم تقتنع قيادات الحزب الأخرى في جبال قنديل بذلك، فإن نزع سلاحهم يبدو أمرًا بعيد المنال.

من المؤكد أن القضية الكردية أوسع وأكثر تعقيدًا من مجرد إنهاء حزب العمال الكردستاني لعمله المسلح. في الواقع إن تخلي حزب العمال الكردستاني عن سلاحه لن يوفر سوى أرضية خصبة لخروج الجوانب السياسية والمدنية للقضية الكردية إلى الضوء.

هذا الأمر أيضًا يتطلب من الحكومة أن تشرك المزيد من الاطراف الكردية الأخرى.

منذ بدء عملية السلام، فإن الحكومة لم تفرق بين اعتبار القضية الكردية كمشكلة عرقية وطنية وبين مسألة حزب العمال باعتباره تمردًا مسلحًا. لا يمكن إنكار أن هناك قدرًا كبيرًا من التداخل بينهما. ولكنه لن يكون من الحكمة أن تعالج المسألتين بنفس الطريقة. بالتالي فإن بعض التفريق بين القضيتين هو أمر طال انتظاره.

الحكومة الكردية أشركت حزب العمال الكردستاني لإيجاد حل للقضيتين، مما أثار استياء الجماعات الكردية الأخرى. أعربت تلك الجماعات على نحو المتزايد عن استيائهم من هذا النهج وطالبوا بإدماجهم في مناقشات تسوية القضية الكردية. هذا حق ومطلب ديمقراطي، لذا على الحكومة الالتفات له.

بخصوص تسوية القضايا السياسية والمدنية للقضية الكردية، ينبغي أن يكون هناك ادماج لفاعلين متنوعين في القضية الكردية كجزء لا يتجزأ من أي استراتيجية تهدف إلى حل قضايا الأكراد.

بالنظر إلى كل هذه التغييرات، فمن الواضح أن عملية السلام الكردية تحتاج إلى هيكلة جديدة وفاعلين جدد، وإلى التعلم من أخطائها وإعادة النظر في الافتراضات التي لا أساس لها.