المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غالب دالاي  Headshot

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يكون في صالح تركيا

تم النشر: تم التحديث:

turkey

لطالما كان سعي تركيا إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي متعثراً ومثيراً للجدل، يتسبب هذا السعي في ردود فعل عاطفية من المؤيدين والمعارضين، لكن الجديد هو أنَّ عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي قد أضحت منفصلة عن علاقتها بأوروبا.

ولكن، وفي حين يبدو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (الذي يمر بحالة من الفوضى) عقبةً جديدةً تعرقل انضمام تركيا إليه، ربَّما ينتهي المطاف بالخروج البريطاني هديةً لتركيا تساعدها في تطوير علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي، كل على حدة. إن هذا من شأنه أن يعطي كلاً من الاتحاد الأوروبي وتركيا حافزاً ليبدأ الطرفان التفكير في تسوية بديلة تُمكنهما من تجاوز القلق والتوقعات التي أحدثتها عملية انضمام شديدة الطول وأقرب إلى أن تكون وهمية.

يمكن لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أن يؤدي إلى نوعين من الردود: الأول هو أن يصبح الاتحاد الأوروبي أكثر اهتماماً بداخله تحت تأثير الأزمة؛ مما سيجعله في حالةٍ غير مُرحبة بالتوسعة، فضلاً عن أن يسمح لتركيا بالانضمام.

والثاني هو أن الاتحاد الأوروبي قد يحاول التغلب على الأزمة بتعزيز التكامل الذي يؤدي إلى اتحادٍ أوثق صلةً؛ ولأوروبا تاريخ من التكامل يدعم هذا الحل.

في هذه الحال، ستكون الهوية والثقافة السياسية هما حجر الزاوية لأية دولة تسعى إلى عضوية الاتحاد الأوروبي.

وسيؤدي هذا السيناريو إلى اتساع الهوة بين الاتحاد الأوروبي وبين تركيا المسلمة، التي تملك ثقافة سياسية مختلفة ومؤهلات ديمقراطية مضطربة.

خطأ فادح

ليست هذه القصة كاملة، أحد أفدح الأخطاء التي يقع فيها الخبراء هي أنهم يتعاملون مع سعي تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي وعلاقتها بأوروبا باعتبارهما أمراً واحداً.

لقد تعاملت تركيا وأوروبا مع الأمرين باعتبارهما واحداً لوقت طويل، لكن هذا الأمر قد تغير.

أصبح هذا الفصل واضحاً في الأشهر الأخيرة، ويبدو أنه سيستمر، وبالإضافة إلى ذلك، سيكون تأثير خروج بريطانيا مختلفاً في العلاقة التركية - الأوروبية عن تأثيره في سعي تركيا إلى عضوية الاتحاد.

وكما توضح الحجة السابقة، فإن علاقات تركيا بالاتحاد الأوروبي تشهد انتعاشاً كبيراً، ويبدو أنها تبشر بمستقبل واعد نسبياً، حتى وإن كان سعي تركيا إلى عضوية الاتحاد لا يتمتع بالزخم المطلوب.

تدفع عدة قضايا الجانبين باتجاه تعاون أوثق: أزمة اللاجئين السوريين، وموجة التطرف المتزايدة، والنظام الإقليمي المنهار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتحدي الروس لحلف الناتو، وتبدو هذه الاتجاهات مرشحةً للاستمرار.

وبما أن الأمر يخضع إلى اعتبارات السياسة الواقعية لا القيم المشتركة، فإن هذه العلاقات لم تعد تصلح مرساة لعملية التحول الديمقراطي في تركيا، كما كانت عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بين عامَي 2002 و2007.

هذا هو الجانب المؤسف للفصل الذي يحدث بين سعي تركيا إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وبين علاقاتها الأوروبية.

ولكن، بخلاف هذا الأثر الجانبي العكسي، فإن خروج بريطانيا سيحسن علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي.

بريطانيا والاتحاد الأوروبي لديهما علاقات اقتصادية معقدة وتتسم بالمنفعة المتبادلة؛ مما سيشجع كلا الجانبين على التوصل إلى ترتيبات جديدة للتخفيف من الآثار السلبية لخروج بريطانيا.

قرارات متهورة

خلافاً للدعوات المتسرعة التي أطلقها مسؤولون في الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء إلى خروج بريطانيا سريعاً من الاتحاد، دعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الدول الأعضاء الـ27 المتبقية في الاتحاد إلى عدم اتخاذ أية قرارات متهورة، والنظر في المسار المستقبلي للاتحاد الأوروبي في سياق خروج بريطانيا بعقلانية.
وبمرور الوقت، هذه هي اللهجة التي من المرجح أن تحكم مستقبل علاقات بريطانيا بالاتحاد الأوروبي.
هنا يمكن لتركيا أن تسن سابقةً بأن تصبح عضواً في الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي.

تهدف تركيا إلى ترقية هذا الاتفاق ليشمل المنتجات والخدمات الزراعية، إلى جانب المنتجات الصناعية. وإذا تحقق هذا الأمر، فإنه قد يشكل سابقة تدفع المملكة المتحدة إلى التوصل لاتفاق اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي، يتضمن أحكاماً للقطاع المالي الذي تتمتع فيه بريطانيا بشهرة عالمية.
في المقابل، يمكن لترتيبات بريطانيا الجديدة مع الاتحاد الأوروبي أن تلهم تركيا للبحث عن نوع جديد من الترتيبات مع الاتحاد الأوروبي، بدرجة أقل من العضوية الكاملة، أو أن تكون، على الأقل، راضيةً بها، وهذا السعي إلى ترتيب بديل ليس بجديد.

في الواقع، عندما كان أمل تركيا في العضوية في أوجه بين عامَي 2004 و2005، طرحت ميركل، زعيمة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ألمانيا في ذلك الوقت، ووزير الداخلية الفرنسي والمرشح الرئاسي نيكولا ساركوزي، طرحَ اقتراح "شراكة مميزة" بديلاً للعضوية.

كان هذا اقتراحاً بلا أساس يدعمه؛ فقد اعتبرته تركيا بمثابة عرض لا يقدم امتيازاً ولا شراكة، ولن يؤدي إلا إلى خنق احتمال حصولها على العضوية، وعلاوة على ذلك، خَشيت تركيا أن هذا الاقتراح سيخفض مكانتها إلى الدرجة الثانية في النظام الأوروبي.

رفضت تركيا هذا العرض؛ وكانت مقاومته تنطوي على جوانب سياسية ونفسية.

وبالنظر إلى قرار تركيا في ضوء ما نعرفه الآن، فإنَّها ربما كانت محقةً في رفض محتوى العرض الغامض والسطحي، لا رفض فكرته، تواجه عملية عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي طريقاً مسدوداً. حتى هذا الوقت، فتحت تركيا 16 فصلاً، وأغلقت واحداً فقط بصورة مؤقتة، من أصل 35 فصلاً يحتاج أي بلد مرشح للعضوية إلى إتمامها.

لقد تأخرت تركيا والاتحاد الأوروبي طويلاً في التركيز على ما يصلح للجانبين: نموذج جديد للشراكة، بدلاً من التخبط على مسارٍ لن يتحقق، وهو العضوية الكاملة. هذا الاتفاق الجديد قد يحذو حذو النموذج الذي سيربط بريطانيا بالاتحاد الأوروبي بعد خروج الأولى.

إن من شأن الوضع الخاص الذي ستتمتع به بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي أن يساعد تركيا في التغلب على رفضها النفسي لمثل هذه التدابير؛ لأنه لن يُنظر إليها باعتبارها تقلل من شأن تركيا وتهبط بها إلى الدرجة الثانية في النظام الأوروبي، وبالتالي، سيكون الأمر أكثر قبولاً لدى النخبة السياسية التركية والجمهور العام.

لقد وضع استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عملية التكامل الأوروبية أمام واحدٍ من أشد التحديات التي واجهتها، لكن تداعيات الاستفتاء ليست كلها سلبية، على الأقل ليس بالنسبة إلى الجميع؛ فإذا استطاعت تركيا أن تتحلى ببراعة سياسية في اقتناص الفرصة، فربما تفتح لنفسها أبواب فرص جديدة.


هذه التدوينة منشورة باللغة الانجليزية على موقع الجزيرة للاطلاع على النسخة الأصلية .. اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.