المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غالب دالاي  Headshot

حزب العمال الكردستاني وحربه منخفضة الحِدَّة: الخلفية والأسباب والديناميكيات الإقليمية وآثارها

تم النشر: تم التحديث:

مقدمة

يهيمن الصراع على المسألة الكردية على الأجندة السياسية التركية مرةً أخرى. لقد أصبح حزب العمال الكردستاني أكثر جرأةً بسبب المكاسب التي حقَّقها شقيقة -حزب الاتحاد الديمقراطي- في المنطقة الكردية بسوريا، وبسبب تدهور الموقف الجيوسياسي التركي في سوريا، خاصةً بعد الحشود العسكرية الروسية الثقيلة والخلاف التركي-الروسي على خلفية حادثة إسقاط الطائرة الروسية.

أصبح حزب العمال الكردستاني أقل مساومةً وأكثر حزماً؛ فبعد إنهاء وقف إطلاق النار الذي استمر عامين ونصف العام مع تركيا بإعدام ضابطي شرطة في 22 يوليو/تموز 2015، يُكثِّف حزب العمال الكردستاني حربه ضد تركيا. وقد زاد هذا التطور الخطير سوءاً عدم جدية الحكومة التركية في عملية السلام.

على الجانب الآخر، استغلت الحكومة التركية الهجوم باعتباره فرصةً لإنهاء وقف إطلاق النار، وبدأت في قصف أهداف حزب العمال الكردستاني في تركيا والعراق بسبب الإحباط الذي نشأ من الفجوة بين فهم حزب العمال الكردستاني للحل العملي للأزمة القائمة وبين التوسع الإقليمي الذي ينتهجه حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا. ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتَّى تحوَّلت المواجهات المُتقطعة إلى حرب منخفضة الحدة، وفي تلك الأثناء حاول حزب العمال الكردستاني تكرار استراتيجيته في سوريا بتركيا؛ فنقل القتال إلى المراكز الحضرية وحاصر الأحياء والبلدات.

وردَّت الحكومة التركية على ذلك عبر فرض حظر التجوال في العديد من المناطق والمدن، ممَّا أثَّر في الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية لما يقرب لمليون ونصف المليون شخص. ونتيجةً لذلك، تمحورت السياسة الكُردية حول حزب العمال الكردستاني. ليس من المُرجَّح أن تُكسر هذه الحلقة المفرغة ما لم يُقدم الطرفان تنازلات متبادلة بشأن سوريا والجزء الكردي من تركيا.

أسباب التصعيد

يرى حزب العمال الكردستاني أنَّ فهم تركيا للقضية الكردية والتسوية المُحتملة فهمٌ اختزالي. تتعامل تركيا مع القضية الكردية باعتبارها امتداداً لعجز نظامها الديمقراطي والتخلُّف الاقتصادي في المنطقة الكردية. وفي المقابل، تتمحور رؤية حزب العمال الكردستاني للتسوية حول تقاسم السيادة في تركيا بين الأتراك والأكراد. يرغب حزب العمال يرغب في أن يكون السلطة الرئيسية في المنطقة الكردية. ولتحقيق هذا الغرض، عُقِد مؤتمر استثنائي في ديار بكر في 27 ديسمبر/كانون الأول 2015 بدعوة من منظمة المجتمع الديمقراطي (DTK)، التي تعد بمثابة مظلة لمختلف الأطراف والمبادرات الكردية، بما في ذلك الحزب الديمقراطي الشعبي المؤيد للأكراد (HDP).

وبينما دعم الجَمْعُ خلال المؤتمر استراتيجية حرب المدن التي يتبنَّاها حزب العمال الكردستاني مؤخراً، أصدر المؤتمر بياناً من 14 نقطة طالب بمستوى كبير من تفويض السلطة وتقاسم السيادة لإنهاء الأزمة. ومع ذلك، لا يمكن أن يحدث ما طالب به المؤتمر في النظام التركي السياسي والإداري الحالي الذي يتسم بوحدوية صارمة؛ وليس لدى الحكومة نية لتلبية مطالب حزب العمال الكردستاني.

وفي هذه الأثناء، ينظر حزب العمال الكردستاني إلى المكاسب الإقليمية والإدارية التي حقَّقها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في الجزء الكردي من سوريا باعتبارها من أهم إنجازاته. كانت المناطق الكردية التي تتمتع بحكم ذاتي بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي، في وقت سابق، تتكوَّن من ثلاثة كانتونات منفصلة: الجزيرة، وكوباني، وعفرين. وجاءت سيطرة قوات حزب الاتحاد الديمقراطي على تل الأبيض في سوريا، في يونيو/حزيران الماضي، لتخلق اتصالاً جغرافياً جزئياً بين الجزيرة وكوباني، لكن الاتصال الجغرافي الكامل كان ينقصه حلقة واحدة: المنطقة الواقعة بين كوباني وعفرين.

لكن تركيا جعلت هذه المنطقة خطاً أحمر؛ وهدَّدت بالتدخُّل العسكري إذا حاولت قوات الأكراد السوريين السيطرة عليها. يرى حزب العمال الكردستاني موقف تركيا الحالي موقفاً واهياً. وإذا واجه الحزب خياراً بين إحراز تقدُّم في عملية السلام الكردية في وبين ترسيخ مكاسبه في سوريا، فإنه سيختار الأخير؛ إذ يعتقد الحزب أنَّ الوضع الحالي في سوريا يوفر فرصة تاريخية قد لا تتكرر لتحقيق ذلك، أمَّا بالنسبة لعملية السلام في تركيا، فإنه يعتقد أنَّه ستكون هناك دائماً إمكانية للضغط على زر إعادة التشغيل.

ديناميات جديدة في السياسة الإقليمية الكردية.

يبدو أن تركيا تسيء فهم تطوُّر الأهداف السياسية للحركة الكردية وعزم الحركة على إحرازها. في أواخر تسعينيات القرن الماضي وأوَّل الألفية الحالية، كانت نقطة مرجعية الحركة الكردية بشأن تطوير العمل على حقوق الأكراد في تركيا هي مبادئ الاتحاد الأوروبي. كانت معايير الاتحاد الأوروبي في كوبنهاجن، التي جرى الاتفاق عليها في عام 1993، هي النقطة المرجعية لخطاب الأكراد وسياستهم، وارتكزت المعايير على «استقرار المؤسسات بما يضمن الديمقراطية، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، واحترام الأقليات وحمايتهم». وكان في هذا الإطار أن أشارت الحركة الكردية إلى الميثاق الأوروبي للحكم الذاتي المحلي.

ولكن يبدو أنَّ هذه الاستراتيجية قد تغيَّرت بصورةٍ جذريةٍ؛ إذ لم يتوافق جزء من الحركة الكردية -قيادة حزب العمال الكردي بخاصة- مع حقيقة أنَّ مبادئ الاتحاد الأوروبي تدعو -بالأساس- إلى تحقيق التقدم الديمقراطي، والاقتصادي، والسياسي، وتقصر عن التشكيك في سيادة الحكومة الوطنية، ناهيك عن تمهيد الطريق للحركات الانفصالية. ونتيجةً لذلك، فقد تغير السياق بالنسبة إلى حزب العمال الكردستاني.

المكاسب الكردية في سوريا والعراق هي الآن نقطة مرجعية أساسية لحزب العمال الكردستاني؛ إذ تشير أنشطة الحركات الكردية وخطابها إلى ذلك بوضوح. وقد حاول حزب العمال الكردستاني تكرار تجربة حزب الاتحاد الديمقراطي في الجزء الكردي من تركيا بمحاولة احتلال بعض الأحياء، والمقاطعات، والبلدات، الكردية بالقوة، معلناً ما أسماه «الحكم الذاتي الديمقراطي»، وبالتبعية سيندلع صراعٌ مع الحكومة المركزية على السلطة السياسية في هذه المناطق.

الآثار المترتبة على حرب المدن

شكَّلت الساحة الإقليمية خلفيةً لتطلعات حزب العمال الكردستاني الجديدة، وحرب المدن الأخيرة. وبدورها، تُعيد حرب المدن تلك رسم الخطوط داخل الحركة الكردية بكل تأثيراتها في المجتمع الكردي. لا يزيد هذا الجو المشحون بالعنف السياسة الكردية إلَّا اتحاداً؛ إذ تعتمد كافة مكوناتها، المسلحة والمدنية، الخطاب نفسه، وتدعم السياسات نفسها. والمشكلة هي أنَّ في أوقات العنف، تُسِّير العناصر الأكثر راديكالية الدفَّة؛ فيضع حزب العمال الكردستاني أجندة المرحلة، ويدير كل شيء. هذا هو الجانب السياسي من الاتحاد.
لكن الاتحاد ينطوي على جانب مجتمعي أيضاً؛ فقد فرَّ أكثر من 100 ألف شخص من منازلهم نتيجةً لهذه الحرب منخفضة الحدة. ولكن على عكس خلال تسعينات القرن الماضي، حين هاجر الأكراد إلى الجزء الغربي من البلاد واختلطوا مع المجتمع التركي بكافة أطيافه، يُعاد توطين النازحين الآن في مناطق أكثر أمناً نسبياً في الجنوب الشرقي الكردي؛ مما لا يُفيد في تحقيق الاندماج المجتمعي في البلاد، ويُسهم أيضاً في الانفصال الشعوري بين الأكراد وبين تركيا.
ولكن مع أنَّ بعض النازحين قد انفصلوا شعورياً عن تركيا، فإن ذلك لا يجعلهم أقرب إلى مواقف حزب العمال الكردستاني كافة؛ وتؤكد ذلك المقابلات التي أجرتها قناة الجزيرة الناطقة بالتركية مع ضحايا النزوح. [1]

طريق المستقبل

للتغلُّب على هذا المأزق، ينبغي على تركيا وحزب العمال الكردستاني التوصُّل إلى تنازلات متبادلة، وخاصةً بشأن الجزء الكردي من سوريا وجنوب شرق تركيا. ينبغي على تركيا أن تُطالب حزب العمال الكردستاني بإنهاء استراتيجية حرب المدن في تركيا وأن يستوعب حزب الاتحاد الديمقراطي الجماعات الكردية الأخرى مثل التي يمثلها المجلس الوطني الكردي (KNC) في الجيب الكردي السوري. إنَّ هذا من شأنه أن يُحوِّل الجيب الكردي السوري من «أرض حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي» إلى أرضٍ كُردية فحسب.

وعلاوة على ذلك، بالنظر إلى أن المجلس الوطني الكردي موالٍ للغرب ومتحالفٍ مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يتمتع بعلاقات ودية مع تركيا، فإن من شأن هذا التنسيق أن يجعل سلوك الإدارة الكردية السورية أكثر اعتدالاً.
وهذا بدوره يُمكن أن يُمهد الطريق لعلاقات أكثر ودية بين الإدارة الكردية السورية وبين تركيا. وبالمثل، يجب على تركيا التوقُّف عن التشكيك بالمكاسب الكردية السورية والسعي إلى نوعٍ من تسوية مؤقتة مع هذا الكيان.

هذه التدوينة مترجمة عن اللغة الإنجليزية ونشرت على "منتدى الشرق" للاطلاع على التدوينة الأصلية اضغط هنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.