المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غالب دالاي  Headshot

سياسة تركيا تجاه سوريا تبقى ثابتة رغم التحديات

تم النشر: تم التحديث:

بدأ الربيع العربي كتحرك داخلي حفّزته المطالبات، والطموحات والقوى الداخلية، والشعار الذي اتخذه المتظاهرون- عيش، حرية، كرامة إنسانية - كان شاهدًا على الطبيعة المحلية للربيع العربي. بالرغم من ذلك، فإن التطورات التي تلت إندلاع ثورات الربيع حددتها بشكل كبير قوى إقليمية ودولية. وما أوضح هذا عندما يتعلق الأمر بالمعضلة السورية.

لم يفوت أي لاعب دولي فرصة إظهار نفسه على الساحة السورية. في معظم تحليلات الوضع السوري، نأخذ في الاعتبار مواقع القوى الإقليمية والدولية من الصراع، ومطالبهم بشأنه، باستثناء الشعب السوري. كلما جذب الصراع في سوريا مزيدًا من الأطراف، كلما انتبهنا إلى نشاطاتهم وتصريحاتهم، بدلًا من الاهتمام بالحقائق الواقعة على الأرض. يرجع هذا لسبب بسيط: أن الحقائق الواقعة على الأرض يقرر أغلبها تحركات القوى الإقليمية والدولية. نرى هذا جيدًا في الضجة الإعلامية حول تعزيزات الجيش الروسي، وفي تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة حول الأزمة السورية، والتي صححها الكثيرون منذ الإدلاء بها.

بعد رحلته إلى روسيا لحضور حفل إفتتاح جامع موسكو الكبير، بصحبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تحدث أردوغان لمجموعة من الصحفيين في اسطنبول قائلًا: "يمكننا معالجة الأمور بدون الأسد، أو بمجاراة الأسد خلال فترة انتقالية." هذه الملاحظة لفتت إنتباه الإعلام التركي والدولي فورًا، وسارع المحللون إلى استنتاج أن هذا التصريح يمثل تغيرًا في سياسة تركيا "الفاشلة" تجاه الأسد، كون التصريح جاء بعد لقاء الرئيس أردوغان بالرئيس بوتين، وفي ضوء التعزيزات العسكرية الروسية الكبرى في سوريا، بدا ذلك التصريح مؤيدًا لهذا التصور.

لكن الأمر لم يطل بالمراقبين حتى أدركوا أن ذلك كان حكمًا متسرعًا، حيث أن أردوغان سارع إلى تصحيح كلماته نافيا أي تغير في سياسة أنقرة، ومشددًا على أن تركيا لم ولن ترى أي دور مستقبلي للأسد في سوريا، ولو حتى دورا انتقاليا، وأنه لا تغيير قد حل بهذه الرؤية.

كذلك كان موقف رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو من الأسد لا لبس فيه، مكررًا الموقف الرسمي لتركيا أنه لا مكان للأسد في مستقبل سوريا.

خلال زيارته الأخيرة لبروكسل، متحدثًا عن أزمة اللاجئين، عكس أردوغان نفس موقف داود أوغلو؛ قال إنه للتغلب على مشكلة اللاجئين، فإنه من المهم تحقيق ثلاثة معايير: أولها توسيع برامج تدريب وتسليح المعارضة السورية الشرعية، وثانيها توفير منطقة آمنة للهاربين من نظام الأسد، وثالثها فرض منطقة حظر جوي.. كل هذه التصريحات، جنبًا إلى جنب مع تصريحات المسؤولين وصانعي القرار في أنقرة، تعكس بوضوح أنه لا تغير هنالك في الموقف التركي من الأزمة السورية.
في النهاية، تركيا ما زال لديها نفس الأولويات في سوريا. إنها تريد سوريا من دون الأسد، سوريا محافظة على وحدة الدولة السورية (مما يعني عدم نشوء أي إدارات إنفصالية، بالتحديد من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يسيطر على الأكراد في الشمال، لحين استقرار الوضع في سوريا. تركيا سوريا بلا مناطق نفوذ تسيطر عليها قوى إقليمية ودولية).

التحديات التي تواجه السياسة التركية

لكن أولويات سوريا، ووضع تركيا الحالي لا يتسقان. فبالرغم من كل البشاعات التي ارتكبها نظام الأسد، وكل الخطوط الحمراء التي تعداها، فإنه تمكن من الاحتفاظ بالسلطة، حتى وإن كانت على سوريا أصغر، بفضل كل أشكال الدعم التي قدمتها إيران، روسيا، حزب الله والعراق.

للأسف، فإن السلطة والنفوذ في سوريا متنازعٌ عليها من أربع قوىً رئيسية: نظام الأسد، تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، المعارضة السورية المعتدلة، والأكراد، بالإضافة إلى جماعات أصغر تتنافس لإرساء نفوذها الخاص. وكلما طال أمد هذه الأزمة، كلما جعل ذلك من التقسيم الفعلي لسوريا احتمالًا واقعيًا، إن لم يكن أمرًا واقعًا بالفعل.

أيضًا فإن وحشية داعش تم استخدامها للتغطية على الوجه القبيح لنظام الأسد وإباداته الجماعية. من المثير للسخرية أن الأسد خيار مطروح كشريك في الحرب على التطرف في الشرق الأوسط، وهي وصفة ممتازة لخلق مزيد من التطرف، وزيادة حجم الكارثة.
يقترح بوتين أنه لكي نحارب التطرف يجب أن يستعيد النظام السوري سلطته وسطوته، لكنه يغفل السبب وراء انهيار سوريا في المقام الأول: السلطوية الخانقة، غياب الشرعية، انعدام الكفاءة والطبيعة القمعية للدولة السورية هي التي قادت الشعب السوري إلى الثورة. لم يتغير شيء هنا.

أما الآن فقد زاد على الأمر مئات الآلاف من القتلى نتيجة للحملة المشابهة لحملات الإبادة التي قادها نظام الأسد ضد شعبه. بالنظر إلى هذا، فإن دعم "الدولة" السورية في شكلها الحالي يعني إعادة إصلاح نظام حديدي متهاو سيحتاج إلى مدد من الرجال والعتاد لارتكاب جرائم عنف أكبر، لتعويض نقص شرعيته.

بالإضافة إلى هذا، فإن تركيا تدرك تصميم المعسكر المؤيد للأسد على إبقاء الرئيس، بل والنظام السوري بأكمله والمصالح التي يمثلها، في السلطة. إن خطر تحول النظام البعثي إلى العمود الفقري لهيكل النظام القادم بعد نظام الأسد حقيقي جدًا.

على النقيض، فإن القوى الداعمة للمعارضة في الغرب، أو بعبارات أخرى، الغرب بقيادة الولايات المتحدة، والقوى الإقليمية مثل تركيا، السعودية وقطر - لم تتفق على موقف واضح من الشأن السوري، ناهيك عن خطة لتوفير الوسائل والالتزامات اللازمة لدعم هذا الموقف، وهو ما يحجم اختيارات تركيا ويجعل جزءًا كبيرًا من استراتيجياتها وخياراتها معتمدة على مواقف وأفعال الآخرين، وهو ما يفتح الباب دومًا أمام إعادة تقويم غير مرغوب فيها للسياسة الخارجية تجاه الأزمة السورية، رغم مدى صعوبة ابتلاع مثل هذا الخيار.

أخيرًا، فإن التعزيزات العسكرية الروسية وتواجدها على أرض سوريا يقلل من احتمالية فرض منطقة الحظر الجوي، أو توفير المنطقة الآمنة التي تريدها تركيا، رغم أن الاحتياج لكليهما ما زال قائمًا. اختيارات تركيا في مواجهة روسيا محدودة. كاقتصاد نامٍ في حاجة ماسة إلى مصادر مختلفة للطاقة، فإن تركيا تعتمد حاليًا على روسيا وإيران من أجل توفير مصادر الطاقة. يضع هذا أمن الطاقة التركية في خطر، ويقلص مساحتها في مواجهة روسيا.

كانت تصريحات أردوغان في طريق عودته إلى موسكو أقرب إلى التفكير بصوت عال منها إلى نتيجة لاستراتيجية محكمة معدة مسبقًا. لذا فإن سياسة تركيا تجاه سوريا تظل كما هي في الوقت الحالي، على الرغم من التحديات المتزايدة. في النهاية، سواءًا أكانت هذه التحديات ستجبر الحكومة على إعادة النظر في سياستها تجاه سوريا أم لا، فإن ذلك سيعتمد على نتائج الانتخابات التركية، في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني القادم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.