المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غالب دالاي  Headshot

حالة الديمقراطية التركية تحت حكم حزب العدالة والتنمية

تم النشر: تم التحديث:

حذرت نينا كروشيفا، الأستاذة في جامعة New School، من مستقبل الديمقراطية في تركيا وذلك عبر مقالها في موقع Project & Syndicate.

الكاتبة التي حذرت من التحول "البوتيني" (نسبة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين) في تركيا دعت الرئيس التركي السابق وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية الحاكم، عبد الله غول، لمواجهة ما يمارسه صديقه الرئيس رجب طيب أردوغان من تراجعٍ عن إنجازات حزبه السابقة ومن تفكيكٍ للديمقراطية التركية.

مقالها الذي اتسم بنبرة فظة ونقد قاس جاء ضمن الإطار العام للأدبيات التي نُشرت مؤخراً عن حال الديمقراطية التركية. تركيا التي كانت محل حسد جيرانها في المنطقة طوال معظم العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تراجعت عن الإصلاحات التي حققتها طوال تلك الفترة.
تجذب هذه القراءة المزيد من المؤيدين لدرجة أن معظم وسائل الإعلام العالمية لم تتعامل مع انتخابات السابع من يونيو/حزيران 2015 كانتخابات نموذجية يمكن أن تجري في أي بلد ديمقراطي. بل اعتُبرت اختياراً بين إما السلطة المطلقة أو إعادة الديمقراطية إلى مسارها الصحيح. علقت صحيفة الإيكونوميست البريطانية على نتائج الانتخابات بالعنوان التالي: "أُجهضت الأوتوقراطية".

لكن أنصارَ حزب العدالة والتنمية يرسمون صورة مختلفة للحزب وتاريخه السياسي وإرثه الذي لا زال يُصنع. يساوي الخطاب الرسمي للحزب بين فترة حكمه والفترة الثورية في التاريخ السياسي التركي، إذ يقول النائب السابق لرئيس الوزراء التركي والناطق الرسمي باسم الحزب، بشير أتالاي: "ما حدث في تركيا خلال فترة حكم حزب العدالة لا يقل عن ثورةٍ صامتة. في الواقع، لقد نشرت الحكومة كتاباً عنوانه (الثورة الصامتة)، وتُرجم الكتاب إلى لغات عديدة بما فيها الإنكليزية، الإسبانية، العربية والكردية. يسرد الكتاب بالتفصيل الخطواتِ الإصلاحية والديمقراطية التي اتُخذت خلال حكم حزب العدالة".

وكما يوضح الكتاب، فإن كوادر حزب العدالة والتنمية يؤكدون أنه كُسرت التابوهات، واحدة تلو الأخرى، خلال فترة حكمهم، فقد تمت معالجة مسألة دور الجيش في النظام السياسي، وهي المشكلة التي عانت منها تركيا طوال قرن كامل، كما أن المسألة الكردية التي يزيد عمرها عن قرن لم تكن قَط بهذا القرب إلى الحل. لقد تحسنت أوضاع الأقليات الدينية في البلاد، وأعادت الدولة جزءاً كبيراً من ممتلكاتهم التي صودرت في السابق.

بالمثل، لم تكن تركيا منفتحة أبداً على تسوية تاريخية مع الأرمن، لكن الموقف تغير مع قدوم حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، فقد قام الرئيس التركي السابق عبد الله غول بزيارة تاريخية إلى يريفان في عام 2008، كما أن الرئيس الحالي، أردوغان، ورئيس الوزراء، داوود أوغلو، اخترقا حالة الإنكار التركي السابقة وقاما بخطوات هامة للتعبير عن التعاطف مع الأرمن الذين عانوا من ويلات القتل الجماعي خلال الحرب العالمية الأولى. رغم أن الاختلاف حول المصطلحات المناسبة لتعريف هذه المأساة بقي قائماً- إذ يقول الأرمن أنها كانت الإبادة العرقية الأولى في القرن العشرين، بينما تسميها تركيا "مجزرة" أو "فاجعة" أكثر من كونها إبادة عرقية- إلا أن هذه البوادر كانت هامة.
ثمة إذاً روايتان متضاربتان فيما يتعلق بالإنجازات الديمقراطية لحزب العدالة والتنمية.

الفرضية الأخرى المنتشرة بين نقاد حزب العدالة والتنمية هي أن الحكومة كانت إصلاحية وتقدمية بين عامي 2002 و2011، إلا أنها أصبحت رجعيةً بشكل متزايد منذ بدء دورتها الثالثة في السلطة في عام 2011. ولكي نكون أكثر دقة، تُعتبر احتجاجات Park Gezi في مايو/ايار، يوينو/حزيران ويوليو/تموز من عام 2013 نقطة التحول.

يقول هؤلاء النقاد إن مسار حزب العدالة والتنمية على طريق الديمقراطية والإصلاح السياسي كان إيجابياً قبل احتجاجات Gezi. كان الحزب قد بدأ مفاوضات رسمية للانضمام للاتحاد الأوروبي، وكانت تركيا تعتبر مثلاً أعلى للدول الإسلامية الأخرى، حيث الإسلاميون الإصلاحيون يقودون دولة علمانية ذات اقتصاد يتنامى بسرعة في بيئة إسلامية.

لكن هذا يستدعي السؤال التالي: ما هي العوامل التي حولت حزب العدالة والتنمية من مثلٍ أعلى قبل سنتين أو ثلاث إلى حزبٍ يتعرض لنقد قاسٍ بسبب تحوله الصريح إلى شكل استبدادي؟

إن الجواب التقليدي المكرر- القائل بأن الحزب قد تحول خلال أشهر معدودة من كونه الحزب الأكثر إصلاحاً في التاريخ التركي إلى الحزب الأكثر رجعيةً في البلاد- يجعل الأمور أكثر غموضاً بدل توضيحها. يتجاهل هذا الجوابُ الأسباب الرئيسية لديمقراطية الفترة الأولى من حكم الحزب، كما يتجاهل السياق الذي ظهرت فيه هذه الديمقراطية، والمناخ السياسي الحالي.

"معارضة الدولة" هي العبارة السحرية المسؤولة عن التحول الديمقراطي في الفترة الأولى من حكم الحزب. قد تبدو العبارة غريبة على الأذن الغربية لكنها لسوء الحظ مألوفةٌ جداً للقراء التُّرك.

لم تعتبر الغالبيةُ العظمى من المجتمع التركي الدولةَ حيادية أو ضامنةً لحقوق مواطنيها وحرياتهم. بل اعتبروها ممثلةً لإيديولوجيا معينة وحاميةً لمصالح معينة. في الواقع، كانت الدولة حاملةً للإيديولوجية الرسمية للكمالية- مصطلحٌ مشتق من مؤسس تركيا الحديثة- والتي كانت مزيجاً من العلمانية غير الليبرالية، الفكر القومي التركي العسكري ومن مَيل نحو الغرب في السياسة المحلية والخارجية. عانى الإسلاميون، الأكراد، العلويون، الأقليات الدينية والليبراليون بسبب معارضتهم لهذه الدولة الإيديولوجية، لأن تأثير هذه الدولة كان حقيقياً وقاسياً.

كانت الفئة المتدينة المحافظة من البلاد ضحيةً للعلمانية العسكرية للدولة. كان الأكراد ضحية للسياسة الرسمية التي تمثلت في القمع والتزمت القومي، كان العلويون ضد تشريعاتها السنية الإسلامية، والليبراليون ضد بنيتها العسكرية القومية، علمانيتها غير الليبرالية، تسلطها ونظامها البطريركي. وهكذا كان مؤيدو الإيديولوجية الرسمية للدولة يشكلون أقليةً، ولأن النخب الكمالية كانت مدركةً لهذه الحقيقة، فقد قامت بخلق صيغٍ معينة سمحت لهم بالبقاء كحكّامٍ مطلقين في جميع مسائل السياسة الداخلية والخارجية، دون أي اعتبار لأي دعم شعبي أو سياسي. يمكن وصف "مجلس الأمن القومي" الذي كان محكوماً من قبل الجيش بأنه كان الوسيط الذي تحكَّم من خلاله الجيش بالحكومات المدنية.

إلى جانب الجيش، كان مجلس القضاء الأعلى والهيئات البيروقراطية العليا هي الحامية الرئيسية للدولة، حريصةً على أن لا تواجه الإيديولوجية الرسمية أي معارضة. على هذا الأساس، قرر الجيش أن الفكر الشيوعي (الذي حكم بين عامي 1971 و1980) والفكر الإسلامي (الذي حكم في عام 1997) تهديدان للدولة فقام بانقلابات لإحباط أي معارضة للإيديولوجية الرسمية للدولة. بالمقابل، قامت المحكمة الدستورية العليا بحظر العديد من الأحزاب المتعاطفة مع الكرد أو الإسلاميين باعتبارها تتبنى إيديولوجيات إسلامية أو انفصالية (هكذا تعامل القضاء مع المطالب التي نادت بمنح الأكراد حقوقاً سياسية وثقافية).

في الواقع، بالكاد نجا حزب العدالة والتنمية نفسه من الحظر في تصويت المحكمة الدستورية العليا في عام 2008، حيث حصل على أغلبيةٍ بفارق صوت واحد فقط. وهكذا فإن معارضة الدولة، وإيديولوجيتها الرسمية وهيكلتها لم تكن مجرد هدف لمشروع حزب العدالة السياسي المستقبلي، بل كانت أيضاً سبباً لبقاء الحزب.

بسبب هذه البنية غير الليبرالية للدولة وتسلطها وإيديولوجيتها، بالإضافة إلى الطبيعة غير الديمقراطية لممثليها، كان من السهل على المعارضة أن تتمتع بنكهة التحول الديمقراطي والتقدم. لقد نجح حزب العدالة وحلفاءه السابقون في هزيمة الدولة الكمالية بشكلها السابق في عامي 2011-2012، أي أنها نجحت في تفكيك بنية الدولة التركية التي استمرت قرناً من الزمن.

لكن هذه العملية انتهت إلى نتيجتين. الأولى، أن الحكومة بقيت بدون عدوٍ غير ديمقراطي تخلق معارضته ديناميكية ديمقراطية. الثانية، العملية نفسها تركت تركيا بدون بنية بديلة.

منذ تلك اللحظة، أصبحت المعركة هي حول تعريف تركيا وبنيتها الجديدة. قادت المفاهيم المتصارعة حول شكل هذه البنية الجديدة إلى تفكك التحالفات القديمة- بما فيها التحالفات مع القوى الإسلامية الأخرى، مع الليبراليين، الأكراد والمحافظين- والتي تكونت حول حزب العدالة.

هذا الصراع الداخلي ضمن الكتلة الإصلاحية التركية أفقدها الطاقة على الاستمرار في التحول الديمقراطي، أصبح كل حزب منكمشاً على ذاته وانطوائياً، مانحاً الأولوية لمطالب وطموحات مجموعته الخاصة عوضاً عن الأجندة الديمقراطية العامة. ولأن حزب العدالة والتنمية هو الحزب الحاكم، تقع على عاتقه مسؤولية خلق إطارٍ يتسع للمطالب والطموحات السياسية والاجتماعية للجماعات التركية المتنوعة لكي يستطيع أن ينهض بالمشروع الديمقراطي في تركيا مرةً أخرى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.