المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جابر طاحون Headshot

الهوية والتحول

تم النشر: تم التحديث:

"لولو، افتكر دايمًا إن المفتاح الأجمل لكل القلوب، البساطة".

هذا ما تقوله ريم لخالد الذي جعلته "لولو" حين كانت تزوده بنصائح تجنبه العثرات في الكتابة ويبدو أن هذا أيضًا هو تكنيك عبير اسبر في صياغة عالمها، البساطة والرشاقة، بفنية وقوة المشهدية السينمائية لا الشكل المحافظ للرواية.

خالد الشخصية الخام، الراسب في البكالوريا، المغرم بوردة سابقًا، المتحول من فلاح عاطل، إلى مرشد ومرافق للجماعة التي جاءت لتصوير فيلم. الحصن/قرية عين العيون/ بلد خالد، خط الرواية الأول، مكان الزراعة والتهريب والثأر، الكل خبير قانوني فيما يتعلق بالأذية وسرقة المحاصيل. التهريب الذي كان يمكن أن يعمل به خالد "تاركًا كل ما حصّل من علم وثقافة وخبرة في الحياة والحب" ليعمل به مع صديق عمره المهجور مهند ليشتري مثله "المرسيدس". إذ لم يبق أمامه سوى الخواء.

كل شيء يتشكل حوله بطريقة مختلفة عما اعتاد عليه، منذ جاءت جماعة المجانين الذين "أخذوا عقل الصبي علي الخالص" كما تقول أمه. جماعة المجانين الذين جاءوا لتصوير فيلم عن "فلسطين 48" ليصبح خالد مرشدهم. جماعة المجانين، الكاست، المخرج كمال وريم وبوب.

كمال المخرج، الذي يهمه العمل والعمل فقط، علي أي حساب مهما كان "ما حدش يقولي أطفال! الأطفال أحباب الله بس"، كمال وإحالته علي من يتصدرون المشهد العربي والفضائيات وما يمثله من ضبابية متعمدة وتصدير تعبيرات ومصطلحات والفارق بينها "يا ولاد ركزوا معايا شوية، إحنا مابنعملش فيلم عن القضية الفلسطينية، الفيلم بيتعمل عن ناس فلسطين وبلاش المأساوية دي".

بوب وسؤاله الذي صدره لخالد، والفيلم الذي سيصنعانه معًا، أشكالا تغير التي طالت حياتك، دخول الأغراب إلى الحصن وتغير عمرانها حتى ولو في إطار اللعب السينمائي هل طالكم الدمار أم الخير؟".
بوب الذي يتركه خالد يتابع حديثه إلى ما لا نهاية، لإدراكه -بفرح- أهمية الحصول على صديق بسيط الروح.

ريم، التي أن يأتي العالم إليه شيء وأن تأتي ريم شيء آخر تمامًا. "أنت تحفة يا خالد ولا أقولك: هسميك لولو"..
لولو؟ ماذا سيقول لإخوته؟ نسي اسمه تمامًا، خاصة بعدما وقع العقد كـ"لولو" ريم التي زعزت قناعاته وهزت ثقته بنفسه أو ألقت حجرًا في بحيرة روتينه وهو الآن "لولو". ريم التي لا يمكن أن تكون حبيبة أحد. تمنى أن يكون حاصلًا على شهادات حين سألته إن كان متعلمًا. "تمني أن يكون داعمًا لحركة المسرح التجريبي وأن يكون متابعًا لحركة الثقافة العربية"، عندما سألتْه ما هي اهتماماته؟ حاول التودد إليها بكل شكل، هي هدفه، هدف واضح المعالم. حاول أن يتخطى ذاته إليها. حاول أن يدرس طبائعها.. ما تحب وما تكره.. ما نقاط ضعفها؟ خضغ لتوجيهاتها ودفعته للقراءة وستدفعه للكتابة ويعجز. يحس نفسه مرفوضًا.. مرفوضا كما هو من قِبل شحود وريم وكمال. بعد أن تأكد أن نكاته لم تضحك ريم، ولم يحب كمال أفكاره، ولم يحترمه الأستاذ شحود لما هو عليه حقيقة. تفضل ريم الصداقة على الزواج؛ لأنه عائق أمام حريتها. فيعيش هو الألم والفراق والحب ومحاكمة الذات والإحساس بالعجز وقلة الحيلة.

سينتهي الفيلم، ريم التي زلزلته ستغادر، ستسافر إلى المستقبل، سيسافر هو لدمشق؟ كل تحولاته شكلية وخارجية، لم ينفذ شيء إليه.
للمرأة حضورها المتوزع على طول الرواية. ريم وحضورها الطاغي. أم خالد وقوتها ومراقبتها وحنانها. وردة وقهرها بزواجها من الأستاذ عزت الذي يكبرها بأعوام كثيرة. العرافة وتنبؤاتها. حسناء والسفر إلى دمشق.

السرد، النص المفتوح بطبيعته، التماهي، وتضاد الحاضر مع الماضي القريب. سرد ملامح الحياة ضمن نسيج الرواية. الحدث يقول والمكان يقول. الحوار مُطعم بتأملات عميقة وأخرى ساخرة. ردود الأفعال والقفزات الذكية بين مشاهد الأحداث تضفي الحيوية على السرد. يتباطأ الزمن أحيانًا، زمن القص، ضد السرعات العالية، الواقع الأساسي في الحياة. التباطؤ كمحاولة للمروق بين السؤال والإجابة.

المشاهد مصاغة بعناية. الدوائر كثيرة تتقاطع وتتلاقي في دائرة خالد، الذي يكتشف نفسه غريبًا. الصدمات التي يتعرض لها والمباغتات التي تداهمه.

الحكاية تبدو سهلة، لكنها معقدة.. معقدة كالواقع. الفهم ليس سهلًا. التحول والبحث عن معنى، الهوية وكنه الحياة. القوة التي تلزمه ليدخل عالم جديد. القوة التي تلزمه، ليتعايش مع عالمه القديم والذكرى، وألا يكون منشقًّا عن حضن أمه وعن الحصن. أن يبحث عن مشروعه الخاص، نفسه، يمتلك رؤية وحدس خاصين به. يمتلك لنفسه هوية وسمة لحياته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.