المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فراس شمسان Headshot

11 فبراير بين الفكرة والواقع

تم النشر: تم التحديث:

في ساعات متأخرة من مساء ذلك اليوم، وبعد الاستماع لخطاب تخلي الرئيس المصري مبارك عن الحكم ونقله السلطات لنائبه.. كانت دقائق معدودة تفصل بيني وبين الهتاف وسط ميدان التحرير بالعاصمة اليمنية صنعاء "سلمية سلمية.. لا بندق ولا جنبية".

هكذا هتفنا في وسط الميدان الذي حوله نظام الرئيس صالح إلى مخيم لعرض الحرف اليدوية أو كما كان يدعى قبل أن يتحول لمعسكر يفترش أنصاره خيامًا يدعوها بخيام اعتصام تأييدية للشرعية الدستورية
منذ تاريخ 3 فبراير أو ما سبقها من تطلعات ونقاشات، كان الكثير من الشباب يعتقد أن ما يمكن عمله هو إعادة تقليد لسيناريوهات الثورة في كل من مصر وتونس بدون احتساب العوامل والبيئة المختلفة.

فالواقع الحالي في تونس، شكل المجتمع المدني شرارة الثورة وركيزة الحماية والبناء لما بعد الثورة،
وفي مصر اختار نظام العسكر حبس وتشريد وسحل وقتل الثوار كعقوبة لهم لمشاركتهم في الثورة
أما في اليمن معظم الشباب اليمني وقفوا مكتوفي الأيدي، فغالبيتهم كان وما زال يرسم صورة وردية للحركة السلمية برغم اختطافها من أركان منظومة حكم صالح التي أعادت تدوير نفسها عبر الالتفاف من خلال وباسم الثورة ونصرتها.

ما كنا نعتقده في 2011 أن رحيل صالح عن السلطة سيؤثر في إعادة البلاد لعجلة التنمية وإيقاف الصراع الدائر في البلاد منذ العام 2006، لكن الواقع أن نظام صالح كان أكبر مما نتخيل، فمنظومة صالح كانت تستند على 5 ركائز أساسية: الجيش - الرئاسة - أجهزة المخابرات - رجال الدين - شيوخ القبائل.

عرَّت الثورة ضعف هذه المنظومة وهامشيتها، فقد استطاع صالح أن يؤسس لنفسه جيشًا خاصًّا قسم مناطق البلاد بينه وبين الجيش القديم المتآكل، والذي سلمه لرفيق دربه والمنشق اللاحق عنه علي محسن الأحمر، والذي يرتبط بشكل مباشر بعناصر دينية وقبلية مكَّنهم من الانضمام بشكل وهمي تحت مسمى الجيش، والذي انشق عن صالح بعد أن استشعر اقتراب نهايته عبر استهلاكه وإضعاف قوته في حروب صعدة الست.

- الرئاسة في اليمن لم تكن مؤسسة كما يمكننا القول أو إطلاق التسمية عليها أسوة ببقية الدول، فقد كانت مركز حكم يسيطر عليه المقربون من صالح وإن كانوا لا يمتلكون مناصب رفيعه "بشكل رسمي" ولكن كانوا الأكثر نفوذا وتأثيراً ولم تتأثر هذه المؤسسة برحيل بعض منتسبيها وانضمامهم لساحات الاحتجاجات لمحدوديتها.

- أجهزة المخابرات ظلت وما زالت اللغز المحير في هذه المرحلة..
فجهاز الأمن السياسي وقائده غالب القمش كان وما زال محسوبًا على علي محسن الأحمر وجماعة الإخوان المسلمين، والتي كان وما زال قياداتها منطوين تحت هذا الجهاز ويحملون رتبًا فيه وهو جهاز يشوبه الفساد، وله علاقات مشبوهة بدعم وتدريب جماعات إرهابية متطرفة، خصوصاً تنظيم القاعدة.
أما الجهاز الآخر -والذي تم استحداثه لمكافحة الإرهاب وبدعم سخي من الولايات المتحدة الأميركية- كان جهاز الأمن القومي والذي استقطب قيادات شابة من خريجي الجامعات ذوي الدرجات الرفيعة، وكان يشرف عليه ابن أخي الرئيس صالح "عمار".

لكن هذه الأجهزة كانت وما زالت محل استفهام حول دورها في اعتقال وملاحقة الناشطين والصحفيين والكتاب والمنتمين للحركات المدنية وتجاهلها الجماعات المتطرفة والمسلحة وحتى فشلها في حماية الرئيس السابق في أشهر محاولة اغتيال له في مسجد "النهدين" داخل حرم القصر الرئاسي في 2011.

- رجال الدين وينقسمون تحت بند اتحاد علماء اليمن، ومن أبرزهم الشيخ الزنداني والمؤيد اللذين لعبا دورًا كبيرًا في تحشيد الشباب والقبائل في حرب 1994 عبر تكفير الحزب الاشتراكي والجنوبيين؛ ليمنحوا شرعية دينية لحرب الشمال ضد الجنوب، وما إن انطلقت التظاهرات في الشارع حتى سارع الزنداني للاستفادة من الطرفين، حيث وقف في بادئ الأمر مع الرئيس صالح وشارك في حشد علماء من مختلف المحافظات ثم انتقل لساحة الجامعة ليطلق مصطلحه الشهير "أحرجتمونا.. ويصرف للثوار براءة اختراع". ومن هنا انطلق صالح لاستقطاب رجال دين ينتمون للمذاهب "الزيدية الشيعة"؛ لكي يستخدمهم للحشد الطائفي والمناطقي وهو ما لم يكن جليًّا في 2011 مثلما هو واضح الآن.

- مشايخ القبيلة: منذ وصول صالح للسلطة سعى جاهداً لتحطيم عتبات السلم الذي ساعده للوصول لسدة الحكم، وبالأصح حاول استبدالها بإنشاء قيادات قبلية بديلة للوجهات المعروفة مثل آل الأحمر في شمال اليمن وعبر إعادة النفوذ لأبناء السلاطين ومشايخ القبائل في الجنوب، مثل أبين ولحج وشبوة.. وهو ما لم يتم في مناطق أخرى مثل حضرموت.

وحالما استشعر النظام القبلي الخطر وأحس بالضعف وجد أن انضمامه لحراك الشارع هو المخرج الوحيد الذي قد ينقذهم من ضياع السلطة والجاه وانتقالها لشخصياتٍ يعتبرونها أقل منهم منزلة اجتماعية وقبلية، ساهم صالح في إعادة رسم صورهم كقيادات قبلية ولا ننسى التسريب الشهري لموقع ويكيلكس للقيادي ورجل الأعمال القبلي "حميد الأحمر"، والذي صرح فيه بأنه سيتجه للشارع لتلبية مطالب التغيير.

تغيرات منظومة اللعبة
وقف الثوار حائرين حينما بدأت الأحذية العسكرية تتحكم في مسيرة الثورة، وكذلك الجنبية القبلية، والتي بدأت تسن فوق رؤسهم وتحولت مطالبهم إلى وعود وهمية لم يعد بالإمكان الانتباه لها.
وهنا كان الحوثي يستغل الفراغ الذي بدأ ينتج عن هذا الانقسام داخل صفوف الثورة، وخاصة بعد انتشار الاتهامات بالاندساس والعمالة لصالح وأجهزته الأمنية استغلها الحوثي لتجنيد هذه القيادات الشابة أو تقريبها له وشهدت مدينة صعدة زيارات كثيرة لناشطين وصحفيين، وقيادات في المجتمع المدني بشكل غير مسبوق ومحاولة لإظهار مظلوميته لتحسين الصورة عبر تغيير الاسم من الشباب المؤمن إلى تكتلات مثل "شباب الصمود"، "تكتل الأحرار"، وغيرها من الجماعات والخيام الوهمية التي تلبي الهدف والتي تتقاسم مساحات الصراع مع جماعة الإخوان المسلمين اللاعب الرئيسي في تسيير دفة الحراك في الشارع اليمني.

الجنوب وضبابية الرؤيا
في ذات الوقت خرجت المظاهرات والمسيرات في مدن الجنوب وتحديداً في العاصمة عدن؛ إحياءً لمسيرة الكفاح والحرية التي انطلقت منذ العام 2007 والتي كانت تواجه بالقمع والتنكيل والاعتقال،
وفي 2011 كانت تلك الحركات تامل أن يتم تحقيق الانتصار سلمياً بدون الحاجة للمطالبة بانفصال الجنوب عن الشمال، إلا أن انضمام شخصيات فاسدة ارتكبت الكثير من الانتهاكات ضد أبناء الجنوب أعادت المطالب القائمة على الاستقلال وتقرير المصير، وانقسمت الساحات في مدينة عدن وحضرموت إلى ساحات مطالبة بالانفصال والتحرير كساحة المعلا والمنصورة وساحات ما زالت متمسكة بالوحدة كساحة كريتر والمكلا.

إلا أن غياب الرؤية والتخطيط والخوف من التنكيل ما زال العامل الأبرز في انقسام هذه الساحات وعدم بروز قيادات سياسية وحقوقية في الساحة، مما أعاد قيادات جنوبية سابقة للسيطرة على الساحة السياسية والاجتماعية في الجنوب.

ما بين الفكرة والعمل
ظاعت أحلام الكثير وتسربت مع اندثار علامات الدم من الشوارع، فقد قررت الأحزاب أن تتقاسم السلطة على أن تستمر في الخيار الثوري، وهو ما نتج عنه التهام الحركة الثورية من قبل الأجهزة الأمنية ووصول الشباب لحالة من الضياع وفقدان الأمل بعد أن أصبحت نظرة الشارع لهم بأنهم هم السبب الحقيقي وراء انهيار الدولة والاتجاه للحرب، حتى أن الكثيرين اقتنعوا بأن عصر صالح المستمر منذ 33 عامًا كان مثاليًّا، وأنهم هم من دمروا الجمهورية والدولة.

للأسف لم يقم من تصدروا المشهد كقيادات ثورية بإعادة احتواء هذا الشباب وتركوهم فريسة لجراحهم التي تحولت لعاهات وإلى الحاجة والعوز المادي ليصبحوا مشردين باحثين عن العمل بعد أن كانوا أشعلوا ثورة الأمل. لا تلومونا.. فحين صرخنا بالحرية هتفتم معنا وأنتم تلبسونا قيود الخضوع.

خلاصة الكلام:
الثورة سلوك وتأثير ثقافي في وعي المجتمع.. والمجتمع الذي يسلم نفسه لجماعات وميليشيات تدعي أنها ممثلة الله في الأرض.
هو مجتمع لم يصل لمرحلة النضوج الفكري ولا لمفهوم الثورة.. وعلينا أن نعلن عن استمرارية الثورة لتكون ثورة فكر ووعي.. لا حرب وقتال.
الرحمة للشهداء...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.