المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فؤاد مرزوقي Headshot

في خطورة مقاربة الـ"17 مقابل 2"

تم النشر: تم التحديث:

في الوقت الذي كانت فيه الشريحة الأضيق ولعوامل موضوعية معروفة من الشعب الجزائري، تسعى لاختيار ممثليها المحليين في البلديات والولايات، بشعار "الاستقرار" الذي ما فتئت أحزاب السلطة ترفعه وتُسَوّقُهُ مشروعاً، برؤية سلطوية تُحذر من الرفض والخروج، وبالشعار ذاته برؤية مُعارَضية، تُحذر من الاستمرار في الاستفراد والإعراض.

في هذا الوقت تقريباً، وقبل أربع وعشرين سنة، وبالضبط يوم الجمعة 26 من نوفمبر/تشرين الثاني 1993، قامت الجماعة الإسلامية المُسلحة (GIA) باختطاف رئيس جمعية الإرشاد والإصلاح الجزائرية ومؤسس حركة مجتمع السلم الشيخ الشهيد محمد بوسليماني رحمه الله؛ حيث كان مطلوباً لإصدار فتوى تستنفر الجزائريين لـ"الجهاد" حسب معتقد التنظيم.

يُشير ما تسرب من كرونولوجيا الاختطاف إلى عملية تعذيب تعرّض لها الشيخ لإجباره على الإفتاء كما أكدتها الآثار المروعة على الجثة فيما بعد، حيث حرصت الجماعة على تحقيق خلفية فكرية أخلاقية قوية، وحيث صمّم الشيخ على حرمانهم منها، وقد انتصر الشيخ بدمه في هذه الموقعة الفكرية.

ورغم فظاعة الحدث ووقعه على الجزائريين عامة وعلى جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر خاصة، إلا أنه اُعتبر البداية المنطقية المبكرة الصحيحة في محاربة الغلو والتطرف، حيث كان بمثابة المواجهة الفكرية التي دُقّت فيها الخلفية الثقافية للإرهاب، ومنها تم تنبيه الحواضن الاجتماعية لرفض الحالة وإدراجها ضمن الظواهر الغريبة على الهوية والاجتماع، ومعروف أن العامل الحاسم في دحر الإرهاب في الجزائر هو العامل الاجتماعي، حيث حاصرت الخريطة الاجتماعية الظاهرة وشددت الخناق عليها حتى جفّفت منابع حياتها.

تكاد تُجمع التوجهات السياسية والدراسات العلمية على أن المدرسة الإخوانية ممثلة في حركة المجتمع الإسلامي سابقاً وحركة مجتمع السلم حالياً، انبرت في أداء الوظيفة الفكرية الثقافية في مكافحة ظاهرة الإرهاب، وحيث عزز هذا السلاح المقاربة السياسية التي اجترحتها قيادة الحركة آنذاك، ممثلة في المشاركة السياسية لإنقاذ الدولة الجزائرية من جهة، وإبراز الإسلام السياسي كحالة طبيعية تتعايش مع اليمين واليسار والوسط من جهة أخرى، فإن النظام الحاكم في الجزائر وجد في مقاربة المشاركة فرصة لإعادة تأهيل منظومته وبث الحياة فيها من جديد.

بكل تأكيد، فإن المُوَرّدات الفكرية للعنف ناضبة، لكن المُوَرّدات الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية منسوبها في ارتفاع إن لم يُستدرك الأمر بالتعامل الشفاف الموضوعي معها، ووفق رزمة من الخطوات المتوازية والمتوازنة.

قبل أيام، وفي بلدية الرباح بولاية الوادي من الجنوب الجزائري، شن بعض نشطاء التواصل الاجتماعي حملة دعائية عنيفة على بعض رموز السلطات المحلية، الإدارية والأمنية، متهمين إيّاهم بالفساد وحماية الفاسدين، وبغض النظر عن طبيعة الحملة من حيث مسؤوليتها وأخلاقياتها وشرعيتها، فإنها تشير إلى احتقان سيكولوجي وسوسيولوجي يدعو إلى القلق حقاً.

كان المُنتظر منطقياً وواقعياً العودة إلى مُسببات الاحتقان والتعامل معها للإزالة أو التخفيف، والتي كان من أهمها السطو على أصوات الناخبين في محليات 2012 البلدية، حيث أفرزت مجلساً عاجزاً فاسداً، أزكم فساده أنوف المجتمع في تلك البلدية، وعوضاً عن تدارك الوضع في التشريعيات الفائتة والمحليات الحالية، بإجراء انتخابات نزيهة وشفافة تعبّر عن توجهات المواطن، وخاصة في المحليات، فإن ذات السيناريو ولأسباب سُلطوية بحتة، وبحركة أعنف، تم قلب الصناديق مادياً ورقمياً.

لقد تم إقصاء حركة مجتمع السلم، المدرسة السياسية المعبرة عن خلفية إسلامية وسطية، والتي طالما أثْرَتْ قيم الهوية والوطنية والتعايش والبناء، بمنحها مقعديْن نيابييْن لصالح جبهة التحرير الوطني "الحاكمة" بسبعة عشر مقعداً في المجلس الشعبي البلدي، وهي التي كانت مرشحة لحصد الأغلبية بكل أريحية، في إجراء عنيف أكثر.

إنه وفي الوقت الذي ترفع فيه السلطة في كل خطاباتها الإعلامية شعار الاستقرار، لا يبدو سلوكها السياسي منسجماً مع هذا الخطاب، فالإصرار على ذهنية الإقصاء السياسي التي كانت عاملاً رئيسياً في أزمة التسعينيات، وبصيغة أصْلد، لا ينبئ بخير أبداً.
و"ربّي يجيب الخير"، كما نقول في الجزائر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.