المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فؤاد مرزوقي Headshot

سؤال في زمن الاستقلال

تم النشر: تم التحديث:

خوفنا هو الذي يمنعنا في الأحايين الكثيرة من تبيين أو تبيّن حقيقة، فلو ركن موسى -عليه السلام- فرَضاً لخوفه: "قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ" (الشعراء: 12 - 14)، لما أُدركت حقيقة التوحيد، ولو استسلم غاليلي مثلاً لخوفه، لما ثُبّتت حقيقة كروية الأرض، وإن كان الواقع يزخر بما يؤكد أو ينفي تلك الحقيقة، ومن ثم كانت الجرأة وحدها - في تلك الظروف - هي نقطة الابتداء نحوها، تتعرض هذه الجرأة لعامل التأخر إذا تعلق الأمر بالمقدس المعتقد أو المقدس الموروث.

والجرأة هنا، ما هي إلا عملية تحرّر وتحرير من ربق الاستبداد الثقافي بمفهومه الواسع والعميق، وهذا الذي يجب أن يضطلع به المثقف.

إن المثقف مُوكل له تحرير وعي العموم من المألوفات والشيوع عن طريق إعمال ثقوب في تلك الأسوار التي تحجب عنه المستجدات المعرفية والحقائق الموضوعية، فهو لا يستطيع أن يتواصل معه "الوعي" أمام هذه الأسوار التاريخية السميكة، وهي الوظيفة الأخطر، كونها تعمل في الوعي الذي هو قاعدة البناء الحضاري، فإذا لم تُستشعر محوريتها، منه ابتداء (أي المثقف)، كنا أبعد ما يكون عن الإنجازات.

هذا الاستشعار والوعي الذاتي عند المثقف، يستوجب حتماً تحرّره هو، لأداء هذا الدور المركزي، وإن كان هذا لا يقل خطورة عن الاشتغال في البنى الثقافية والاجتماعية تحريراً للآخر، إلا أنه الأصل الذي يجب أن يوجد ليُبنى عليه ما بعده، وهو ما لا نجده - للأسف - في كثير "النخب" وإن بنسب ودرجات؛ إذ تتماهى هذه الأخيرة مع منظور العموم، أو هي في دائرة الاستبداد السياسي تدور، حينها تكون حارسة لأسوار الموروث والمألوف، فيتعمق الإشكال، بين استبداد سياسي، وآخر ثقافي، و"نُخب" فارّة، أو مع الاستبداد قارّة.

أحياناً، في مناسبة ما، أو موضوعة معينة، لا يكون العامل الخارجي حائلاً رئيسياً بين صاحب الرسالة وبين غيره، إذ قد تكون ذاته مترددة أو مُتحفظة لسبب واهٍ، وحتى وإن كان موضوعياً فإنه لن يكون أهم من قداسة رسالته، عندئذ يلجأ للحيلولة لتجاوز هاجسه العائق، فيبحث هنا وهناك رجاءً في الخلاص.

بالنسبة لي، ولسبب موروثي أكثر كثافة، لم يكن من السهل عليّ الحديث في ثيْمة استقلال الجزائر، ربما لأني أنحدر من أسرة ساهمت بقدر مشهود مُشاد به، وفي العام الغالب، فإن الشريحة الأوسع من الجزائريين - حسب اعتقادي - لسبب تاريخي، وآخر مفاهيمي، لا تميل إلى الخوض في هذه الموضوعات.

لا بديهيات النقد والمراجعة والمساءلة، ولا مُلحات الوطنية والمسؤولية الأخلاقية فكت قيدي الداخلي، ولا ما يتداوله بعض الجزائريين -والساسة خاصة - من سرقة الثورة الجزائرية، وفي الوضع الأقل سوءاً، عمق المصالح الفرنسية في الجزائر، ولا عهد الرداءة - بكل تجلّياته - بتوصيف أستاذ السياسة عبد الحميد مهري، رحمه الله.

كان الأهم في تناول هذا الموضوع تساؤل أبي التاريخ في الجزائر البروفيسور أبي القاسم سعد الله رحمه الله، حين كتب في سياق ما، ما معناه "هل نِلنا استقلالنا حقاً؟"، وهو وضوح غير مستغرب بالنظر لخلفية الرجل الأكاديمية، لولا أن إجابته عليه لم تكن بقدر وضوح التساؤل، حيث انحاز لوطنيته قسطاً ما، حين أردف بما معناه: "إن الجيل الأول أدى ما عليه، لكن ليست هذه هي الجزائر التي تمناها ذاك الجيل"، وبغض النظر عن دوافع الرجل وظروف الإفراج عن هذا الإشكال، فإن طرحه هذا انطوى على ملاحظتين مهمتين جداً، أولاهما أن هذا الطرح يعفي ويبرئ المترددين مثلي من تهم التآمر والخيانة والجهل، وهذا بما للرجل من مشروعية علمية لا يختلف عليها اثنان، وأخرى وطنية لا يختلف عليها الواحد مع ذاته، وهو ما يعنيني في هذا المقال، وأما الثانية؛ فهي حدوث انعطاف وانحراف عن الأهداف الأولى للثورة، هذا يعني ضرورة مراجعة علمية لسيرورة وصيرورة التاريخ للوقوف عند تلك الانعطافات التي أدت إلى هذه المخرجات، فلن نستطيع التعامل مع المخرجات دون العودة للمدخلات، وهذا له إرادة السياسي وأكاديمية المؤرخ الوطنيّ.

ليس لديّ إحصائية موضوعية لمدى وقع هذا التساؤل على (الإنتلجنسيا) وعلى أهل التاريخ خاصة، لكنه لم يكن عليّ سوى انشراح نفسي لم يترجم إلى جرأة حوارية أو كتابية، وما زال حالي بين ضيق وانشراح حتى موعد برلمانيات مايو/أيار 2017، حيث طرأ حدث كان لافتاً للجميع دون استثناء في أحد أنشطة حملتها الانتخابية، وهو تصريح مرشح "الحزب الحاكم"، حزب جبهة التحرير الوطني (سليل جبهة التحرير الأولى المفترض، أو كما يُدّعى له) قائلاً: "نحن حزب حقق استقلال الجزائر..."، سيبدو هذا التصريح طبيعياً لولا أن هذا المرشح لم يكن ابن "حركيّ" (الحَرْكَي مصطلح أطلقه الجزائريون على الخونة الذين انحازوا إلى المستدمر وحاربوا أهلهم)، وليس هذا فحسب، بل إن أباه أوصى بأن يُسجّى بعلم فرنسا في الجزائر المستقلة، وقد نُفذّت الوصية.

إن المبدأ عندي، لا يضير ابن الحركيّ إن كان أبوه كذلك، فـ"لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى"، ولا يرفعني أو يرفع غيري أن كان الأب مجاهداً، فليس الفتى من يقول كان أبي، لكن الأمر هنا مختلف تماماً، فإذا كان أبوه ما كان، ولم يستحِ من أن يبتزنا بتاريخ نحن أحق به منه، فهذا لعمري لا يرتضيه أي جزائري فضلاً عن أن يكون موصولاً بعائلة ساهمت بشكل مباشر وبأشكال شتى في الثورة النوفمبرية، من هنا كان لا بد من التطرق لمفهوم (الاستقلال) وعلاقته بالثورة والشرعية الثورية في هذا السياق من جانب تاريخي مفاهيمي صرف، وفي ذلك بالتأكيد أثره على السياسي.

إن العودة إلى بيت المفهوم يمليه النظر المعرفي ابتداء، وتفرضه مخرجات الثورات العربية خصوصاً، فقد كشفت سيولة الأحداث خلال السنوات الست الفائتة عن أنه لا لغة مفاهيمية واحدة يتحدث بها الفاعلون والمتفاعلون في المجالين الفكري والسياسي، فقد انتبهنا لما أشار له الدكتور عصام البشير قبل سنوات، عن أزمة مفاهيم نعانيها، لقد بدا مثلاً أن للثورة والديمقراطية والحرية وحتى السياسة تمثّلات غير متوافقة في أذهاننا، وهي منظورات تخضع للأيديولوجيا والجماعة والحزب والأهداف، ولانطباعات نمطية راكمها الموروث والمألوف أكثر من احتكامها للأبستمولوجيا، ما أفضى إلى رؤى متباينة، ومن ثم حركات غير منسجمة فنتائج خاوية.

وبالعودة إلى مفهوم الاستقلال، فإن عموم الجزائريين يربطونه بإجلاء المستدمر الفرنسي عن البلاد واستعادة السيادة الوطنية، والحقيقة أنه لا يبتعد كثيراً عما اتفقت عليه معظم المعاجم والقواميس في أنه "التحرر واستكمال السيادة والانفراد بإدارة الشؤون الداخلية والخارجية للبلاد من دون أية وصاية"، والمُلاحَظ أن جل التقديمات لهذا المفهوم، تربط وقوعه كحقيقة، بمدى تحقق حقيقة أخرى مُعبر عنها بـ"السيادة"، وللتحقق من الأخير، فإننا بحاجة إما لمؤسسات ديمقراطية تعبر عن إرادة الشعب، أو لمؤسسات علمية بحثية شفافة ونزيهة، ولا وجود للاثنتين.

ومع هذا، فنحن في الجزائر محظوظون في هذه الحالة؛ إذ إن لنا وثيقة ذات مشروعية ومصداقية مجموعاً عليهما، وهي وثيقة عليا يُقر بها الجميع أنّى كانت توجهاتهم ومواقعهم، إنها "المرجعية العليا للسيادة"، أو "بيان أول نوفمبر"، وقد ورد تحت عنوان "الهدف" في هذه الوثيقة (أي هدف البرنامج السياسي لجبهة التحرير مُفجرة ثورة أول نوفمبر) ما يلي: "الاستقلال الوطني بواسطة:
- إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية.
- احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني...".

الواضح جداً في هذه الفقرة أن العقل المؤسس تجاوز الإشارة - ولو بإشارة - إلى الانتصار العسكري والسياسي للثورة الجزائرية كمظهر من مظاهر الاستقلال، ليس وضعاً لشأنه أو إعراضاً عن أثره، كيف ذلك وهو صانعه، وإنما أراد بناءً تاماً لمعالم الاستقلال كمحصل نهائي لبداية ثورية تهدم الحصن الاستدماري، ثم تقيم البناء الوطني النهائي المعبر عن الاستقلال الناجز، وهو ما وافقه الشيخ الشعراوي لاحقاً من خلال ثنائية الهدم والبناء في تعريفه للثورة: "الثائر من ثار لهدم الفساد ثم هدأ ليبني الأمجاد".

وحسب هذه الديباجة دائماً، فإن الإنجاز العسكري والسياسي المُحققين بالثورة، لن يكون لهما أيّ معنى إن لم يُحصّنا بعوامل ذاتية قادرة على دفع كل صائل باغٍ، إنها القوة الحضارية.

لقد كانت رؤية المؤسس أبعد من كونها تصور خارطة ثورية تنتهي باستعادة الجغرافيا، إنما هي منظور لمشروع حضاري ذي العناصر الواضحة المحددة (المرجعية الهوياتية، الحرية، الكرامة، الديمقراطية، المساواة)، وهي عينها العناصر الحقيقية للاستقلال التام القادر على البقاء في ظل عالم شديد التدافع، وهي مفاهيم تتمحور حول الإنسان أساساً، في إشارة أشد وضوحاً من أن الفرد الجزائري هو عنوان السيادة، ولا سيادة بدون سيادته هو.

إن الثورة لمْ تكن لتكون لولا أن الشعب منحها شرعية ومشروعية، ولمْ ليكون الاستقلال لولا أن الشعب رضي بالمخرجات السياسية الظاهرة والعسكرية، ولا يحق لأحد أن يحكم الشعب باسم أي شرعية، سوى بتفويض من الشعب وفاءً للشرعية الثورية ذاتها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.