المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فراس سعد Headshot

هل الطعام أحد محددات الهوية الوطنية؟

تم النشر: تم التحديث:

يأتي العامل الاقتصادي في مقدمة العوامل المؤسسة للوجود الفاعل، فردياً كان أم جماعياً، وهو جزء أساس في تشكيل البلدان والأوطان، كما أنه جزء جوهري في تأسيس الوعي، قبل أن يبتلى الشرق بأنواع الأيديولوجيا التي صادرت وعينا باسم الوعي.

والهوية بأنواعها تتأثر بالعامل الاقتصادي بحيث إن المشتركين في نمط معاشي واحد يمكن أن يشكلوا معاً هوية واحدة، أو يتشاركوا هوية عابرة رغم تنوع هوياتهم الدينية أو السياسية أو الثقافية.

ولأن كان المحرك الفعلي للإنسان، فرداً أو مجموعة، هو ما يمكن وصفه بـ"الهوية" كان مستوى وكيفية العيش هي الهوية الأساسية للإنسان، وبعيداً عن مكان السكن ونوعية اللباس يأتي الطعام ليتحكم في تشكيل بنية الإنسان الجسدية والعصبية بل والنفسية، هكذا ستكون شعبية نوع محدد من الطعام وانتشاره على أوسع نطاق داخل هذا البلد ستجعل أهله أكثر تمسكاً بهوية بلدهم.

وإذا كانت البوابة إلى قلب الرجل معدته، كما يفترض المثل العربي، فربما من المنطقي أن تكون البوابة إلى الوطن ومن ثَم إلى الوطنية هي الشبع أو الكفاية المادية، وأحد أهم أركانها كفاية الطعام. أليس الوطن هو الرجال والنساء معاً؟ ألا يقضي الرجال في الشرق يومهم لتحصيل قوت يومهم؟ ألا تقضي نساء الشرق يومهن أو جزءاً كبيراً منه في إعداد الطعام؟ فلماذا يستثنى الطعام من حديث الثقافة والسياسة والدين؟!

الصراع البشري لأجل لقمة الخبز منذ ما قبل صلاة المسيح أو دعائه "ربنا أعطنا خبزنا كفاف يومنا ونجنا من الشرير"، هذا محور الاستقرار البشري الطعام والسلام.

في السياسة المباشرة لعبت البهارات دوراً تاريخياً في تشكيل الهند، كما لعب البترول دوراً في تشكيل الخليج والشرق الأوسط، كانت سياسات الدعاية الموجهة للدول العظمى تحمل الطعام رسائل ثقافية فهي تدرك أن المثل السابق الذكر عن قلب الرجل ومعدته صحيح وحقيقي؛ لهذا كان الوصول إلى عقل البشر وقلوبهم معاً عن طريق تسويق أغذية ومشروبات معينة اشتهرت بها تاريخياً هذه الدول العظمى للوصول إلى ما وراءها، فالهوت دوغ والهمبرغر والكنتاكي يشيران تلقائياً في أذهاننا إلى أميركا مباشرة، إن أحببت أميركا ستذهب لتناول وجبة همبرغر أو كنتاكي، وإن اعتدت على هذه الأصناف فسوف تبقى قريباً من اعتبار أميركا دولة عظمى.

في المقابل، كانت الموجات المضادة لأميركا وحراكها الشعبي تستهدف المطاعم الأميركية وشركات البيبسي والكوكاكولا في العالم للتعبير عن كراهية أميركا وإلحاق الأذى بها عبر الرمز الذي سوقته لذاتها، فالنيل من الطعام كرمز لدولة ما هو محاولة للنيل من صورة وهيبة هذه الدولة.

التبولة والفلافل وبناء هوية وطنية مفتقدة:

من يقول إن الكبة والتبولة والفلافل لم تلعب دوراً في تعريف هويات وطنية أو مناطقية أو حتى طائفية.
لبنان بلد التبولة والحمص وفلسطين بلد الزعتر ومصر بلد الفول والطعمية وفي سوريا تتعين كل مدينة أو منطقة بنوع شهير من المأكولات أو المشروبات، فحلب مدينة المحاشي والكبب والسويداء مرتبطة بالمليحي والشاورما علامة دمشقية والمتة ألحقت بالدروز والعلويين، رغم أنها تشرب في القلمون بشكل واسع ولزمن أقدم.

أما الفلافل فقد ضاعت دلالته الوطنية بسبب تنازع كيانات بلاد الشام على تسمية كل منها على اسمه، فهو حيناً سوري أو فلسطيني أو مصري أو حتى إسرائيلي!! وإضافة للفلافل فالنزاع الثقافي السياسي حول أنواع شهيرة من الطعام تجري بين إسرائيل والفلسطينيين كما التبولة الحمص جنباً إلى جنب النزاع على الأغاني واللباس الشعبي.

في العودة إلى سوريا لكن التي خارج البلاد هذه المرة حيث يشكل السوريون الهاربون من الحرب تجمعات تلتقي كل يوم في سوق سورية، أو على الأقل محل سوري للمأكولات السورية لا بد أن كل سوري يزوره ليشعر بالفرح والاندماج ولو للحظات في هويته الأصلية؛ حيث يكون الدخول إلى محل سوري مثل الدخول إلى أرض سوريا، وشراء الزعتر والجبنة المشللة والمكدوس بمثابة تأكيد على هوية وطنية ضعفت أو ارتكست في كل تحديداتها التاريخية باستثناء هذا التحديد الطبيعي والأصلي، أي الطعام.

نزعم أن العلاقة مع الوطن من خلال الطعام هي العلاقة الوحيدة الأصلية والمادية؛ لأنها علاقة تفاعل كيميائي واندماج بين منتجاته وبين جسد الإنسان وروحه، يتحول فيه الطعام السوري إلى حياة ودم، ولهذا تكون الطبقات الفقيرة التي لم تعتد أي نمط ونوع غذائي غير سوري هي الأكثر حفاظاً على ارتباطها بسوريا، من خلال ارتباطها بالنوع الغذائي الذي لا تستطيع الاستغناء عنه لصالح نوع أو أنواع غير سورية، بحكم فقرها ومحافظتها الثقافية، وعدم تقبلها لنوع غذائي غير سوري، كما هو الحال في عدم تقبلها لنمط سلوكي غير سوري، على خلاف الطبقات الغنية والمثقفة التي سرعان ما تندمج في مغترباتها، وفي أنماط غذائية جديدة على خلفية ثقافتها الاستهلاكية العالمية وانفتاحها على ثقافات مختلفة، وهو أمر صحيح حتى داخل سوريا، حين كانت تعيش فيها قبل الحرب.

كلما تناولت طعاماً سورياً أحقق استغراقاً وإشباعاً لا واعٍ في هويتي السورية معوضاً عن افتقادها في محددات أخرى لها تآكلت خلال الحرب وقبلها خلال حكم الديكتاتورية التي من عادتها أن تفكك وتضعف محددات الوطنية الثقافية والسياسية كالتواصل وحرية التنقل والدراسة والزواج والسياسة والتعبير والفن، بحيث أدت ممارسات الديكتاتورية في النهاية إلى تفكك وأشكلة رموز الهوية الوطنية كالعلم الواحد والنشيد والجيش والمؤسسة الحكومية بما فيها السفارة.

هكذا يبقى الطعام السوري الرابط الأخير بالهوية السورية، فهل يكون للفقراء وطن أو هوية سوى وطن اليوتوبيا وطن العدالة الاجتماعية أو الجنة الدينية الوطن النهائي الذي اقترحته الأديان للفقراء الصالحين، بديلاً عن وطن أرضي يتوافر فيه الطعام للجميع، وتكون الوفرة أساساً للوطن بل تكون هي الوطن؟

ربما كان الأمر على هذا النحو؛ لذلك فالنظام الأسدي يمنع الطعام عن شعبه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.