المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فراس سعد Headshot

الذكاء والسعادة في التظاهر السوري

تم النشر: تم التحديث:

لم يُمنع السوريون من التعبير السياسي والتظاهر منذ انقلاب البعث 1963 فقط؛ بل مُنعوا منذ قرون طويلة، وإذا كان مانع التظاهر مع مجيء حكم البعث مانعاً سياسياً وأمنياً، فإن المانع في الزمن العثماني كان دينياً (فقهي سلطاني)، وهذا المانع تحوّل، بفعل الوازع الديني، إلى قناعة لا إكراه فيها، وإلى حالة وجدانية تتجسد في الرضا بالواقع والسلطان، قناعة ممزوجة أحياناً بالخوف من بطشه أو ممتزجة بقناعة أخرى تجعل السلطان مكان الرسول، أي تمنحه مكانة دينية علوية.

أظهر الحراك التظاهري في الثورة السورية حقيقة الشخصية السورية التي صارت إليها منذ خروج السوريين من الحكم العثماني، وهي أنها شخصية بسيطة تنقاد للأصوات الأعلى، للأجسام الأقوى، للأكثر حضوراً وللأكثر خداعاً ونفاقاً. أما المخلصون والأنقياء ضعيفو الحضور أو ضعاف الشخصية، فهم عملة مرذولة؛ بل هم محل سخرية عند المجتمع السوري عموماً، لا سيما عند مجتمع الثورة، وبالأخص زمن المظاهرات تحت الخطر.

ينقاد جمهور الثورة، في حراكها السلمي عموماً، إلى الصراخ وفرط الحركة القريبة من سلوك القطيع، وهو أمر مفهوم وملاحَظ في كل نشاط حركي سلمي في تاريخ سوريا منذ المظاهرات ضد الفرنسيين مروراً بالعهد الوطني، وربما كانت هذه المظاهر النفسية الفيزيولوجية أمراً طبيعياً ملازماً للشعور بالقوة وفرط الحيوية والغضب اللازمين عن التجمع.

يوفر التظاهر والاحتشاد شعوراً آخر، هو محصلة المشاعر سابقة الذكر ويأتي تتويجاً لها، هو شعور السعادة، لأجل ذلك لم يتخلَّ الشعب السوري عن التجمع والتظاهر لأي سبب من الأسباب، فالتجمع والتظاهر، بما يوفره من مشاعر الطمأنينة والقوة والسعادة، يتحول إلى إدمان، ومن ثم إلى حاجة مستجدة لا يمكن لمن تعرَّف إليها واعتادها أن يتخلى عنها أبداً مهما كان الظرف. لذلك، ليس غريباً أن نسمع قصصاً عن شباب وشابات سوريات كانوا يعرفون أنه سيتم اعتقالهم أو يشعرون بدنو أجلهم، ومع ذلك يذهبون إلى التظاهر.

من هذه الزاوية النفسية، قد يكون لهتاف "عالجنة طالعين شهداء بالملايين" معنى اختيار سعادة التظاهر -مع معرفة ضمنية بأن هذه السعادة ثمنها الموت قتلاً- أن التظاهر بالنسبة للسوريين تحديداً، كان بمثابة الذهاب إلى السعادة، أو الصعود إلى السعادة، التي حُرموا منها كشعب تمنعه قوانين الطوارئ من الاجتماع أو التجمع كأهم صفة جوهرية للمجتمع البشري، وهي صفة تتحول في الشرق إلى أكثر من واجب، تتحول إلى فضيلة، عكسها -أي الانفراد والانعزال عن المجتمع- هي رذيلة أو شذوذ.

غياب "الذكاء الإداري" أمام الصراخ والقوة والغضب، وغياب الأذكياء أمام الأقوياء بـأجسامهم المربوعة، أديا إلى فوضى في الثورة، بمعنى انعدام الضبط والإدارة وغياب التخطيط، أكثر ما ظهر ذلك واضحاً في الشعارات، والمقولات غير المعلَنة بداية.

هكذا، أدى غياب الذكاء وانسحاب الأذكياء أمام تدفقات القوة والطاقة المنفلتة أو غير المعقلنة، إلى تشوش في الرؤية أحياناً. ومن ثم، مع تحولات الثورة ودخول الخطاب الإسلامي إليها مترافقاً مع اشتداد البطش والقتل من جانب قوات أجهزة الأمن وميليشيات الدفاع الوطني (الشبيحة)، ظهرت الهتافات الطائفية، مع ملاحظة أنه منذ الشهور الأولى للثورة ظهر هتاف "يحرق روحك يا حافظ"، وهو ما يعده البعض هتافاً ذا خلفية طائفية وليس فقط تعبيراً سياسياً.

المظاهرات الأخيرة في ألمانيا بعد تدمير حلب:
وهذه المرحلة الفوضوية التي يغيب عنها الذكاء الإداري، التي نعيش نماذج مجسّدة عنها حتى الآن، في بعض مظاهرات السوريين في أوروبا يطغى عليها التعبير الإسلامي، ربما تكون مرحلة ضرورية أو بالأحرى طبيعية ضمن التسلسل الطبيعي للتطور الاجتماعي. لكن، يجب الانتباه إلى أن التطور الاجتماعي الطبيعي في هذا العصر المسيس -باعتبار السياسة هي أكثر العوامل ظهوراً وتأثيراً فيه- ليس تطوراً تلقائياً أو ذاتياً؛ بل هو تطور تؤثر فيه "نزعات إرادوية"، بعضها أناني وبعضها لا يريد الخير للسوريين.

وإذا كان مفهوماً ذهاب جزء من شارع الثورة باتجاه التعبير الإسلامي؛ بسبب الضغط الأمني والقمع المفرط حدود القتل والتهجير والتدمير، فلن يكون هذا التعبير مفهوماً في التظاهر السوري في أوروبا لا سيما في ألمانيا، حيث لا قمع ولا منع ولا اعتقال، إلا أن يكون هذا التعبير هو نتيجة العادة الموروثة من السنوات السورية الخمس الماضية، أو أن يكون بفعل أناني لفاعل أيديولوجي له غايات سياسية، أو بفعل اختراق ما، وهي كلها أسباب تتنافى مع مصلحة السوريين وتتنافى أولاً مع جمال ورقي فعل التظاهر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.