المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فراس سعد Headshot

ضد التعددية ضد الاختلاف

تم النشر: تم التحديث:

إن نقول إن الهوية السورية تقوم على التعددية والاختلاف أمر يؤدي تلقائياً إلى تأسيس هوية مضطربة ومصابة بـالفصام الذي لا شفاء منه أبداً.

التعدد والاختلاف يفهمان فلسفياً وسياسياً. أما الهوية التي يفترض أنها جامعة السوريين والمشترك الأساس بينهم، فيجب أن تكون واضحة متجانسة لا اختلاف داخلها ولا خلاف فيها، وإلا فلن تكون هوية واحدة، وإنما هويات ناتجة عن مجمع هويات، ستبقى واضحة ضمن الهوية السورية التي ستبقى والحال شكلية.

لا يفترض بالهوية السورية أن تكون حاصل جمع أفقي لجماعات متجاورة في الجغرافيا ومختلفة في مسائل جوهرية كثيرة. إن الهوية، بهذا المعنى التجميعي، تجمع الجماعات المختلفة والمتعددة في إطار شكلي فحسب، لكنها لن تحل محل أي هوية من الهويات التي تعرف هذه الجماعات ذواتها بها.

إن ثيمة التعدد والاختلاف على جاذبيتها خُلقت لغير هذا المجال، وهي للأسف ثيمة تُستخدم من مراكز الاستشراق والأبحاث والجامعات الغربية للحفاظ على بلدان المشرق مفككة بالعمق بحيث يستحيل بناء هوية وطنية لأي من هذه البلدان، ومن ثم يستحيل بناء الدولة فيها؛ بحجة الحفاظ على التعددية، ومن ثم الحفاظ على خلافات المتعدد.

رغم أن التعددية أمر محمود في الغرب ويجري الحفاظ عليه بقوة، فإنه في الشرق يجري دفعه باتجاه نبش الخلافات القديمة أو افتعال خلافات جديدة بين المتعدد ودفع بيئاته إلى الاختلاف واستفراد أجهزة ودول بكل فئة على حدة، وتغذية عوامل الاختلاف والتناقض فيها تجاه بقية الوطن أو البلد وربما تسليحها. كان ملك فرنسا في القرن السادس عشر يخاطب ممثل الموارنة في جبل لبنان -يوم كان الجبل جزءاً من الجغرافيا السورية- كممثل للأمة المارونية، ولا شك في أن روسيا فعلت الأمر عينه مع الأرثوذكس...

هذا ما أعطى لاحقاً مفهوم الأقليات المنتهكة المستضعفة مقابل الأكثرية القاهرة والذي استتبع تدخلاً لدول أوروبية أو غير أوروبية لنصرة الأقليات في مواجهة الأكثرية، وكان أحد مبررات الاستعمار الحديث لعدد من البلدان.

أي هوية في عصر الأيديولوجيات الصاعدة أو المتآكلة؟

في المجتمعات الفاشلة كحال مجتمعنا السوري الآن، لا يمكن اقتراح حل يزيد في فشل المجتمع وتوتراته، فكيف إذا كنا أمام انحلال الدولة ومحاولات إقامة دويلات أمر واقع، قومية أو دينية، ناشئة عن غياب الدولة أو طردها من بعض المناطق! وكيف إذا كنا أمام تدخلات دولية وإقليمية تغذي منطق الدويلات المتعددة المتناقضة وليس المختلفة فحسب!

لا شك في أن مفهوم التعددية والاختلاف قد يبدو مثالياً في حال بحثه بنطاق المجتمع الألماني أو السويسري أو حتى الفرنسي والأميركي، لكنه مفهوم متفجر في الحالة السورية.

إذا كانت الهوية السورية تقوم على المشتركات بين السوريين، فليس بين السوريين مشتركات سوى أنهم بشر وأفراد أحرار وعقلاء يريدون العيش معاً بـمساواة وعدالة وحرية وإخاء. لكن السوريين الآن في حالة مرض عام بسبب تماهيهم في هوياتهم الجزئية المريضة. والانطلاق في الحديث عن هوية سوريا من خلفيات هوياتية مختلفة هو أحد الأمراض التي نعانيها.

يجب أن نمارس تحايلاً على المريض الذي يقول لك إن هذه هويتي لا أتنازل عنها، فالمريض النفسي مثلاً لا يتنازل عن مرضه؛ لأنه تعايش معه زمناً طويلاً وصار جزءاً من كينونته. لنعترف بمرضنا؛ كي نبرهن لأنفسنا أولاً على أننا مستعدون للتخلص منه.

لقد تخلى مثقفون ينحدرون من كتل اجتماعية -اعتبرت مضادة للثورة- عن هذه الكتل التي ينتمون إليها بالولادة؛ بل قاموا بالهجوم عليها وفضحها. هذا ما يجب على السوريين بالعموم فعله؛ أن ينحازوا إلى هويتهم السورية وينسحبوا من الهويات الأخرى أياً كانت. لكن هذا لا يكون إلا بفعل قناعة بفائدة الانتماء إلى سوريا وبخطورة البقاء في فلك الهويات القديمة الجزئية أو الهويات الصغرى.

إذا كانت الهوية السورية والوطن السوري الجديد يقومان على المعرفة والإرادة وإرادة الأحرار العارفين وليس الأحرار الجهلة، فلا بد أن تتحول معرفة الأحرار إلى إرادة للانسحاب أولاً من هويات قديمة متعددة مختلفة إلى هوية جديدة حداثية جامعة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.