المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فداء ياسر الجندي Headshot

لا.. ليس هذا هو "بلال" الذي نعرفه

تم النشر: تم التحديث:

سرعان ما انقلب الإعجاب الشديد بالمستوى التقني والفني لفيلم "بلال"، الذي أسر الحواس ولفت الأنظار منذ اللحظة الأولى، برسوماته ثلاثية الأبعاد، التي كانت شديدة الإتقان والتعبير، وبمؤثراته الصوتية البديعة، وبغير ذلك من ميزات فنية وتقنية لم نشاهدها من قبل في فيلم صور متحركة عربي، سرعان ما انقلب ذلك الإعجاب كله إلى خيبة أمل ودهشة، راحت تزداد مع كل مشهد من مشاهد الفيلم، بسبب الهوة الواسعة بين حقائق التاريخ، وبين ما قدمه الفيلم من أحداث.

الفيلم باختصار هو قصة فتى أسود من الحبشة، اسمه بلال، يتيم الأب، يعيش مع أمه وأخته في غاباتها، علمته أمه كيف يكون حراً، وزرعت فيه عُلُوَّ الهمة وطموح الفرسان، غير أنه وقع مع أخته أسيراً في غارة قبلية، وتم بيعه إلى أكبر تجار مكة وأكثرهم نفوذاً فيها، أمية بن خلف، حيث كانت عبادة الأصنام هي السائدة، فنشأ على العبودية، وكاد يستسلم لها.

لولا أن (حركة!) مناهضة لأصحاب النفوذ، ظهرت في مكة، قام بها العبيد والضعفاء، وبعض الحكماء، انضم إليها بلال بعد أن دعاه إليها تاجر اسمه أبو بكر، فعذبه سيده عذاباً شديداً، إلى أن اشتراه صديقه أبو بكر، وأعتقه، ثم اضطر إلى الهجرة إلى المدينة بعد أن قام أهل مكة بمحاولة قمع هذه الحركة بالعنف، وعلمه صديقه حمزة الملقب بـ"الأسد" فنون القتال، ثم حصلت معارك بين أهل المدينة وأهل مكة شارك بها بلال، وقام بقتل سيده السابق أمية بن خلف في إحداها.

وبعد معارك عديدة، تمكن القائمون بتلك "الحركة" من غزو مكة وهزيمة أهلها، وتحطيم الأصنام فيها، دون أن يذكر لنا الفيلم اسم الدين البديل! ويأتي المشهد الختامي ليصعد بلال على الكعبة، فيتذكر مواعظ أمه الحبشية، ويهتف: "الله أكبر" وينتهي الفيلم.

أهذا هو بلال الذي نعرفه؟

بلال الذي نعرفه هو رجل نبذ عبادة الأصنام، وآمن بالله ورسوله، وذاق سوء العذاب بسبب هذا الإيمان، لا بدافع التخلص من العبودية، وإن كان ذلك مكسباً من مكاسب الإيمان، ولو كان تمرده فقط للتخلص من العبودية، لفعل مثل غيره من العبيد ذوي المواهب، ومنهم "وحشي"، العبد الحبشي الذي وضع مواهبة في خدمة قريش وضد المسلمين، فنال حريته دون أن يسام سوء العذاب.

بلال الذي نعرفه رجل عابد زاهد قانت، قبل أن يتحرر وبعد أن تحرر، لدرجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع دف نعلَيه (أي صوت خطاه) في الجنة، كما جاء في الحديث الصحيح، لكثرة عبادته وصلاته، وما رأينا بلالاً في الفيلم يركع ركعة واحدة لله تعالى.

بلال الذي نعرفه تربى في مدرسة القرآن الكريم، فكان القرآن الكريم لا يفارقه تلاوة وتدبراً، فما رأيناه يقرأ هو ولا غيره من شخصيات الفيلم آية واحدة من كتاب الله خلال الفيلم، بل لم يذكر القرآن الكريم والوحي إطلاقاً في الفيلم كله، وكأن الوحي لم يكن هو الذي قلب الحياة في مكة والعالم رأساً على عقب.

ولم يذكر الله خلال مدة الفيلم كله إلا مرتين، المرة تحت صخرة العذاب عندما قال "أَحَد.. أَحَد"، رغم أن سبب العذاب كما جاء في الفيلم، هو عقوبته على الانضمام لتلك "الحركة"، وإعادته إلى العبودية، لا لأنه كفر بالأصنام، فأمية بن خلف نفسه حسب الفيلم لا يؤمن بالأصنام، بل إلهه كما قال هو المال والجشع والسلطة، والمرة الثانية التي ذكر فيها بلال الله في الفيلم، والوحيدة التي جاء بها لفظ الجلالة على لسانه، هي عندما كبر في نهاية الفيلم من فوق الكعبة، تكبيرة واحدة لا ثاني لها، ولنا عنها حديث بعد قليل.

بلال الذي نعرفه محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت آخر كلماته قبل موته "غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه"، وبلغ من حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه امتنع عن الأذان بعد وفاته عليه الصلاة والسلام؛ لأن قلبه العاشق لرسول الله لم يكن يقوى على الجهر بقول (أشهد أن محمداً رسول الله) دون أن تجري دموعه ويلتاع قلبه، ولما ألح الخليفة عليه مرة بأن يؤذن، وصل إلى تلك الشهادة، فغلبه البكاء حنيناً للرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يستطِع متابعة الأذان.

هل يعقل أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبيب بلال الأول، وقدوته وأسوته، والذي لم يكن بلال يفارقه بعد أن تحرر، لم يُذكر في الفيلم إطلاقاً، وكأنه لم يكن موجوداً في ذاك العصر؟ وأن كلمة الإسلام لم ترد إطلاقاً في أي حوار أو مشهد من مشاهد الفيلم، وأن ما رواه الفيلم هو قصة (حركة) قام بها العبيد والضعفاء، لا تمت للإسلام ولا للإيمان بصلة، أليس ذلك أمراً عجيباً؟ حتى أبو بكر الصديق، الذي صوَّره الفيلم رجلاً صالحاً حكيماً، لم ينطق كلمة الإسلام، ولم ينطق بآية قرآنية واحدة، ولم يذكر الله في كل حواراته مع بلال ومع غيره.

بلال الذي نعرفه هو سيد من سادات الصحابة الكرام، لعلمه وتقواه وجهاده، كان عمر يقول: "أبو بكر سيدُنا وأعتق سيدَنا"، يعني أعتق بلالاً، وكان عمر يقدمه في مجلسه على كبار الصحابة، لمكانته وعلمه وفضله وجهاده، ولم يكن مجرد عبد حرروه وعلموه القتال ليثأر من سيده القديم، وهو مجاهد عظيم، خرج في سبيل الله وشارك في الفتوحات ودفن في دمشق.

هذه لمحات من معالم شخصية بلال الذي نعرفه يا سادة، أما بلال الذي صوره الفيلم فهو شخص آخر لا يكاد يمت لبلالنا بصلة، فكان الفيلم مخيباً للآمال من ناحية المحتوى، بعد أن كنا نأمل أن يكون فتحاً جديداً في فن الفيلم العربي والإسلامي.

وكانت مشهد الختام، الذي سبق أن ذكرناه، تتويجاً لاتجاهه الواضح في تفريغ شخصية بلال من مضمونها التاريخي المعروف، حيث صعد بلال على ظهر الكعبة، فقال: "الله أكبر"، وهي المرة الوحيدة الذي جاء فيها لفظ الجلالة على لسانه خلال الفيلم، ولم يقلها لأنها من الأذان، ولا لأنها شعار الإسلام، ولا لأنها كلمة التوحيد، حيث لم يخطر في ذهنه قبل أن يتلفظ بها آية من كتاب الله، أو قول من أقوال رسول الله، بل كل الذي تذكره (حسب الفيلم) موعظة أمه له عندما كان طفلاً، فصاح: الله أكبر، مرة واحدة، ولم يكمل الأذان، فانتهى الفيلم دون أن تذكر شهادة التوحيد ولو مرة واحدة، ودون أن يذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو مرة واحدة، حتى في الأذان.

أهذا هو بلال الذي نعرفه؟ وهل هناك عذر للكاتب والمخرج يبرر هذا التشويه التاريخي؟ هل لأنه موجه للغرب؟ لقد رأينا الغربيين يصنعون من أقزامهم أبطالاً، وها نحن نصنع من أبطالنا أقزاماً، لم نرَهم يتبرأون من تاريخهم ولا من دينهم ولا من تراثهم، لكننا في هذا الفيلم فعلنا، ولو أن كتابة الفيلم وإخراجه كان من عمل كاره للإسلام وللمسلمين لما وسعه أن يفعل أكثر مما فعله هذا الفيلم من تشويه للتاريخ وانتقاص من أحداثه، حتى ليخال من يشاهد الفيلم أن مقص رقيب قد طاف على النص والسيناريو فحذف منه كل ما يمت للإيمان والإسلام والقرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم بصلة.

حتى من انسحب ذلك على كل شخصيات الفيلم، فحمزة هو "الأسد" في الفيلم، وليس "أسد الله ورسوله" كما لقبه رسول الله، وليس ابن عم رسول الله، وسعد بن أبي وقاص هو صائد التفاح، وليس خال رسول الله، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأبو بكر الصديق رجل حكيم هادئ غني كريم، ولكنه لم يذكر الله أو كتاب الله أو رسول الله مرة واحدة، وعلى هذا فَقِس.

لقد وجد الفيلم فسحة ليرينا ويسمعنا بلالاً يغني أغنية كاملة في مجلس سيده أمية عندما كان عبداً، ولكنه لم يجد فسحة ليرينا ويسمعنا بلالاً وهو يؤذن أذاناً كاملاً يدعو فيه لعبادة الله عندما صار حراً، هل يعقل ذلك في فيلم بطله مشهور على مر التاريخ بأنه "مؤذن الرسول"؟

لا نغمط الجهد الفني والتقني الضخم والمميز الذي تم بذله في صناعة هذا الفيلم حقه، ولكننا نأسف لأنه لم يبذل جهد مماثل في نقل الحقائق التاريخية الناصعة للشخصية التي يتناولها الفيلم، ولأحداث عصره التي صنعت تلك الشخصية.

نقول للكاتب والمخرج، إن أردتم المضي في هذا السبيل، فأنتجوا أفلاماً عن أبي زيد الهلالي، أو السندباد البحري، أو دليلة والزيبق، ولا تنقلوا للغرب ولا لأبنائنا تاريخاً منقوصاً مبتوراً عن العظماء من رموز هذه الأمة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.