المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فارس بن هشام الغربي Headshot

فيسبوك وأزمة الجيل القادم

تم النشر: تم التحديث:

إذا كنت من روّاد موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ومنتمياً إلى تلك الفئة التي تشارك عالمها هذا مع مجموعة من الشباب المحبّين للقراءة أو الكتابة أو مجموعة أخرى من المسيّسين والمؤدلَجين وحتّى المتحزّبين، فأنا متأكّد أنّ صفحة الاستقبال عندك تغصّ بالحكم والآراء والتحاليل والمقالات، زِد على ذلك الخواطر والشعر ومراجعات الكتب، وعليه فأنا متأكد من أنّ شيئاً من هذه الفسيفساء لم يعلق برأسك، إلا إذا احتوى نوعاً من الطرافة في شكله، كالعنوان مثلاً أو في محتواه، خاصّة إذا عبّر عن فكرة مخالفة للمألوف والمتّفق عليه.. ولو تأمّلنا مليّاً سنجد أنّ مواقع التواصل الاجتماعي ومنذ بداية مرحلة الربيع العربي، أصبحت تصدّر عدداً هائلاً ممّن صاروا يصنّفون كمثقّفين ومبدعين وحتّى محلّلين ونقّاد.. ربّما لن يكون الأمر على نفس الشاكلة في الواقع.. أي إثر مغادرة عالم الافتراض، وقد يحدث أن نلتقي بأحد أصدقاء الفيسبوك لأوّل مرّة في أحد المنتديات أو النقاشات، وفي أوّل مصافحة عقليّة ستصاب بالذهول من مستواه العقلي في التحليل والتفكير، وربّما يصل الأمر إلى مستواه اللغوي في الإبداء والتعبير.

حسناً تجاوز هذه الصدمة، فلن يحدث الأمر مع شخص واحد، من المؤكّد أنّه قد وقع لك مع الكثيرين ممّن يشاركونك هذا العالم.. غير أن السيئ في الأمر هو تنامي هذه الظاهرة حتّى بدأنا نلحظ وجود قيادات فيسبوكية وفي عديد من المجالات وهو ما سيدفع بتغيير في تعريف المثقّف والمفكّر في الأعوام القادمة.

يعرّف المفكّر أو المثقّف بأنّه كل شخص يستخدم ذكاءه النقدي لحلّ مشاكل مجتمعه وبلده ومحيطه.. غير أنّ طبيعة التحصيل المعرفي والقدرة على تنمية الذكاء النقدي هي العامل الذي يفرّق بين مفكّر وآخر أو بين مثقّف وآخر.. من هنا سيظهر الفرق بين بين المفكّرين الذين تنتجهم مواقع التواصل الاجتماعي والأجيال السابقة من المثقّفين والمفكّرين الذين ما زلنا نتوارث ما كتبوا إلى اليوم.

إذا تحدّثنا عن المتنبّي وابن رشد والغزالي وغيرهم، مروراً بالرافعي والطنطاوي والعقّاد وآخرين، وصولاً إلى الدكتور عزمي بشارة والدكتور فهمي هويدي والدكتور منير شفيق ومَن يعاصرهم من المثقّفين الكبار، سنجد دسامة في المقال والتحليل والإبداع تعكس تكويناً عميقاً، سواء من النّاحية الأكاديميّة عند المتأخرين أو التقليديّة عند المتقدّمين ممن أثروا مسار الفكر والأدب العربيين.

غير أن ما نراه اليوم في ملامح الجيل القادم -دون تعميم طبعاً- يعكس حالة من الاهتراء تنافي ما كان عليه آباؤهم وأجدادهم ومَن سبقهم في رحلة الإثراء المعرفي والنقدي للعقل العربي بصفة عامّة، وهو ما يؤكّد ضعف عمليّة التكوين الثقافي عند هذا الجيل وسطحيته، خاصّة في ظل تنامي منطق الأكلات الخفيفة في التعامل مع الكسب المعرفي مثل الدورات المختصرة والكتب الخفيفة، زِد على ذلك الفيديوهات التي لا يمكن أن تعوض بأي حال من الأحوال الكتابَ والمحاضرةَ، من هنا سيظهر الفرق بين مثقّف الغد الذي ينتظره ركب النهضة العربية ومثقّف الأمس.

وباعتبار الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي ميادين مفتوحة لإبراز العضلات التي يكبر حجمها في عيون من يشكون فراغاً معرفيّاً، وهو ما سيرفع عدد اللايكات التي أصبحت تعكس مدى أهميّة المثقّف الافتراضي.. ممّا سيشعره بمزيد من الفخر ويدفعه إلى مزيد الوهم ومواصلة ظلمه للأدب والفكر وحتّى التحاليل السياسية التي أصبحنا نتبيّن فيها عدم الاستقلال الذهني عند الكثير من أبناء هذا الجيل.. إنّما أصبحت في أغلبها اجتراراً لتحاليل سبقتها حول نفس الموضوع في ظل غياب التصوّر الشامل الذي ينطلق منه الرأي السياسي.

طبعاً لست بهذا المقال أقطع الأمل في أنباء هذا الجيل؛ إذ إنني أحد أبنائه، وقد أبدع العديد من شبابنا العربي في مقالات وتحاليل وحتّى إدارة مشاريع معرفيّة كبرى، غير أننّي أنقد الأساس الضعيف عند عديد من الشباب مما يضعف سلامة تصوّراتهم ويجعلها إمّا مجترةً أو سطحيةً، وهو ما يمكن أن يخلق أزمة في الجيل القادم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.