المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فيحاء خنفر  Headshot

لذلك كرهت.. فانتبهوا

تم النشر: تم التحديث:

ليس من عادتي أن أشارك تجاربي الشخصية حتى إنني لا أحب الكتابة عنها كثيرا؛ لكني ارتأيت أن أدوِّن هذه بالذات؛ لأنها تلامس كثيرين في أروقة مدارسنا التّعيسة بشكل أو بآخر.

يومها كنت أصغي لمدرسة اللغة العربية بانتباه والصف هادئ عندما قاطعت المعلمة تلميذة اقتربت منها وتمتمت في أذنها وعادت لمقعدها عودة المنتصر.

مباشرة تَحوَّل نظر المعلمة من الكتاب نحوي وكانت نظرات غاضبة جدا؛ تساءلت عندما صاحت باسمي عن سبب غضبها المخيف؛ لأنني لم أشاغب في الحصة، بل كنت مستمتعة بالدرس الهادئ. أذكر جيداً الرُّعب الذي انتابني عندما دَعَتني بعصبيةٍ مُفرطة إلى اللّوح، نهضت بخوف، وأوقفتني في المكان المعهود للعقاب بجانب سلة القمامة!

سألتها بصوتٍ خافت "شو في؟!". استدارت نحو الصف وهي تشير بإصبعها إلى من أعلى لأسفل وشتمتني بألفاظ ما أزال أذكرها كـ"قليلة أدب"، وكانت هذه الشتيمة بالنسبة لطفلة مهذبة وهادئة وبهذه الإيماءات قاسية جداً! كررت سؤالي بصوت يرجف وأنا أبكي وسألت: "طب احكيلي شو في والله ما عملت اشي!!" ارتفع صراخها وطلبت مني أن أخرس!

وخلال سيل الشتائم والصراخ، قالت للصف بأني شتمتها! مستخدمة تعريف "هاي البنت" مع أنني من أكثر التلميذات أدباً مع المعلمات منذ الروضة حَلفتُ لها أنني لم أتفوَّه بنصف كلمة عنها فأخرستني بصراخها، حاولت تذكر أي موقف قد يساء فهمي فيه على أني شتمتها لكن لا يوجد!.

بعد قليل أتت مشرفة من الإدارة لأخذ الغياب وعندما رأتني بحالٍ يرثى له أمام الصف سألت: "ما لها شو عاملة؟"، فأجابتها المعلمة "سّبت عليّ" وضَحِكَت ضحكةً ساخرة فاقتربَت المشرفة وصفعتني!! دون تردد كأن الأمر ممتع، وقالت: "قليلة أدب!". شَعَرتُ بوجهي يسخن وجسمي يختلُّ توازنَهُ، كُنتُ أمسِك بطرف اللّوح حتى لا أقع وسط سيل الإهانات.. وانصرَفَت المرشدة وأكملت المعلمة توبيخي بصوت مرعب، نَطَقتُ بصعوبة: "والله ما سبّيت عليكي معلمتي".. لم ترِد أن تسمع فأخرَستني مجدداً.

ثم توَجَهَت للصّف وسأَلَت: "مين سمعها أمانة الصبح بالطّابور؟" تفاجأتُ بسؤالِها لكنّي شعرتُ بأملِ التخلص من الموقف، ورفعت رأسي لأتفاجَأ بأن نصف الصّف يرفع يده!!.
كانت الفتاة التي فسدت للمعلمة هي ابنتها بتأييد صديقاتها، وكانت هذه "الشلة" التي تكرهني لها شعبية "منافقة"، فرفعن أصابعهن وأنا ما زلت متأكدة أنّهن لم يكن يفهمن القصة! وأذكر إحداهنّ رفعت إصبعها وكانت قد أتت متأخرة صباحاً فَلَم تكن في الطابور أصلاً.

ذاك الصباح كُنتُ غاضبة من فتاة أعطتها هذه المعلمة مشاركتي بالإذاعة بعد أن كنت سألقيها أنا، وكنت أتحدث مع صديقتي عن ذلك بعصبية عن الفتاة وأخذها لدوري، لكني لم أتطرق للمعلمة!.

لم أدافع عن نفسي ولم أستطِع حتى الربط بين هذه التهمة وبين ما حصل صباحاً، وأنني لم أتحدث عن المعلمة، بل عن الفتاة.. ولم أعرف وقتها أن أبين كَذِبَ المنافقات اللواتي لم يكن أصلاً قريبات مني في الطابور، عدا استحالة أن يسمعني هذا العدد إلا إذا كنت أصرخ!

أذكر قدوم المرشدة للصف بعد أن بعثت المعلمة طالبة لمناداتها، حيث شَهَقَت عندما رأتني وقالت: "ريتني متّ قبل ما شوفك هيك!!".

كانت المرشدة تحبني وتعرفني؛ وسَأَلَت: "شو صاير؟!" فأخبرَتها بصوت منخفض ثم اصطحبتني المرشدة، أذكُر أنني حلفت كثيراً يومها مع أني أكره الحلفان، ولم أكن أتفوه به كباقي الأطفال. بقيتُ عند المرشدة بقية الحصة والحصة التي تليها ثم خرجت للفرصة، لا أزال أتذكر شعور عينيي لكثرة البكاء، وتعبي.

تلك التهمة كانت فرصة دسمة لتلك الفتيات لمضايقتي، وعندما التقينا في الساحة كنَّ ينظرن لي باستفزاز، وأردتُ الدفاع عن نفسي فوقفتُ أمامَهُنَّ ومعي صديقتي وطلبتُ منهن ألا ينظرن لي وبدأ بيننا شجار، تَعَمَّدن رفع صوتهن لتجتمع الطالبات على شجارنا ويسمعن قولهن: "انتي اللي سبيتي ع المعلمة الصبح.. انتي قليلة الأدب مش إحنا"، دقائق وأحاطتنا مجموعة من الطالبات، شعرت أن الابتعاد هو رغبتي الوحيدة.. وفي تلك اللحظة وصلت أختي "فدوى"، وبصوت مرتفع قالت لتلك "الشلّة": "مالِك إنتي وياها"، شعرت بقليل من الدعم عندما تصرفت أختي معهن فقد كانت كبيرة بالصف التاسع، لكني تركتها توبخهن، ومشيت وبكيت!

في نفس اليوم خلال الـ5 دقائق بين الحصة الرابعة والخامسة ذهبتُ لدُرج لصديقتي في الصف وعندما اقتربت منها لأكلمها اقتربت فتاة متطفلة ووضعت أذنها بيننا لتسمع.. كانت تلك الفتاة ضخمة جداً بالنسبة لي وطباعها غليظة وحشرية.. قلت: "بحكي لصاحبتي شغلة ليه تتسمعي ابعدي"، قالت ضاحكة بخبث: "آه أبصر شو تحكيلها زي ما سبيتي ع المعلمة الصبح"، فارتفعت يدي لا إرادياً وصفعتها صفعة خفيفة قصدت منها رد الاعتبار لا إيلامها.

بالَغَت في رد الفعل وحولت الموقف لمشهد درامي مثير ببكائها بصوت عالٍ وانكسارها على الدرج ووضعها ليدها على مكان الصفعة!!، تفاجأتُ برد فعلها أكثر من تفاجُئِها بصفعي لها. وللصدفة السيئة كانت الحصة التي بدأت لنفس المعلمة وعند دخولها سألَت عن سبب التجمهر والضجة فقالوا لها إني ضربت البنت.

أتذكر أسنان المعلمة وفمها جيداً وهي تصيح في وجهي وتقترب وتقول بعد تبريري لموقفي: "هيني قَرَّبت داني عليكي اضربيني كف أشوف زي ما ضربتي البنت".

وتحولت هذه الحصة أيضاً لجبهة توبيخ وإهانات ولا أزال أذكر كل التفاصيل.. كل كلماتها وإيماءات جسدها وشعوري وسرعة تنفسي وخوفي وجسدي النحيف أمام المعلمة الضخمة. كرهت المدرسة أكثر من أي وقت مضى، وكرهت اللغة العربية مع أني أتقنت الكتابة والقراءة في سن مبكرة جداً، لكن دراسة المادة ارتبطت بقسوة هذه المعلمة.

موقفان في اليوم نفسه، كانا مُرَّين جداً؛ لأنني كنت مظلومة ومهذبة لا أسيء لأحد، وتمت الإساءة لي. شعرتُ بوحدة عجيبة خاصة أن أهم إنسانة في حياتي كانت مسافرة، فأمي في تلك الفترة ودعتنا لسفر أيام، لكنها امتدت لأشهر بسبب سرقة جواز سفرها فاحتاج الأمر وقتاً طويلاً لتعود.

لم أشارك بعد ذلك اليوم بالإذاعة المدرسية حتى صرت في الصف العاشر.. وبقيت علاماتي في اللغة العربية متدنية إلى أن دخلت الجامعة، بسبب إهمالي الشديد للمادة. ربما ليس كل الأطفال يتأثرون بالقدر ذاته من المواقف المشابهة، لكنهم بالطبع يتأثرون بإهانتهم، ومدارسنا تزخر بالإهانات، وفي حال أخطأوا فإن أخطاءهم ليست جرائم، بل تجريحهم هو الجريمة التي لا يعرف الكبار مدى مشاركتهم في صنعها بحقهم.

بيئتنا التعيسة لا تحترم أكثر الأطفال من أصغر مجتمع فيها (الأسرة) إلى المدرسة وانتهاءً بالمحيط الأكبر "المجتمع"، فانتبهوا.