المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة نادي حفظي Headshot

ليتني أملك قلب رجل

تم النشر: تم التحديث:

أراك عصي الدمع شيمتك الصبر.. أما للهوى نهي عليك ولا أمر
بلى أنا مشتاق وعندي لوعة.. ولكن مثلي لا يذاع له سر

هذه القصيدة وهذان البيتن تحديداً لهما مكانة خاصة في قلبي، شرعا في احتلالها منذ أن طرأا على مسامعي للمرة الأولى. لم يستوعب عقلي الصغير حينها مدلولاتهما العميقة، ظلا راسخين بذاكرتي على مر السنين أملاً أن أدرك يوماً فحواهما.

بمرور الأيام يصحبها تتابع المواقف وتوالي التجارب وتراكم الخبرات، بدأت شيئاً فشيئاً ألمس جانباً تلو الآخر من عميق ما تحمله قصيدة العم أبي فراس الحمداني من معان خفية.

أبدعها الحمداني أثناء فترة حبسه تلو أسره عقب إحدى المعارك مع الروم، قيل أنه يخاطب فيها سيف الدولة -ابن عمه- متوارياً خلف كناياته واستعاراته البلاغية، معاتباً إياه إهماله في الأسر، حتى فداه سيف الدولة لاحقاً بأموال عظيمة.
ونظم الحمداني في أسره مجموعة من القصائد الوجدانية عرفت بـ"الروميات".

تفيض أبياته فيها حساً وعاطفة، ينبع منها وصف دقيق لخوالج النفس، تحمل مزيجاً محيراً بشكل مذهل. يعبر بصدق عن الصراعات النفسية المتناقضة الموجودة بداخل كل منا. قلما تسمع حديثاً كهذا من رجل معتد بنفسه، إذ أنه من الشائع عن الرجال عدم ميلهم للتصريح بالكثير عما يجول في خواطرهم.

ناهيك عن كون الشاعر هنا فارساً أميراً، تزخر نفسه بالعزة والكبرياء والبطولة إذ حارب في العديد من المعارك ضد هجمات الروم. أراه لم يتفوق في شعره فحسب على أقرانه كشاعر فى عذوبة وصفه، بل على طبيعته كرجل قبل كل شيء. تجده يسترسل في مطلع قصيدته في توضيح طبعه وتعليله واثقاً معتزاً، لا متحايلاً متهرباً بتبريرات واهية.

لكم يستوقفني هذا النوع الفريد من الأشخاص!

لا أخفي إعجابي الشديد بما يملكون من درجة عالية من التصالح مع النفس. هؤلاء الذين يفهمون ذواتهم ويضعون أيديهم على مواضع القوة والضعف بها، فيستغلون القوة ويستزيدون منها ويُقَيّمون الضعف وينهضون به.

لا أدري إن كان الشاعر كذلك بالفعل، فقط انتقيت أبياته لأبدأ بها حديثاً عمن يُطلق عليهم رجال بحق وتتجلى فيهم أنبل معاني الرجولة، تلك التي لا تلحق بالمرء لمحض كونه ذكراً!.

من يعرفون معاني الحب ويقدسون قواعد العشق، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه من اتباع أوامره واجتناب نواهيه في كل أمر. وأي نازلة تحتم الإلتزام بما أنزله الكتاب كـ شُهُب عشق سمت على قلب مُحبّ فأضاءت ليله أرقا.

نعم قد يأتي الآمر فجاءة يباغت صاحبه بين ليلة وضحاها، بيد أنهم يعلمون سلفاً ما يريدون. يدركون السبيل القويم للحصول عليه، ولا يبتغون به وصلاً سوى عبر طريق يهديهم سبيل الرشاد.

إذا ما أحب المرء منهم فهو أحرص الناس على محبوبته، أحرصهم عليها من نفسه أولاً قبل كائن من كان. يخشى على حيائها أن تخدشه نظراته، على قلبها أن تأسره كلماته. يأبى أن يبوح لها شيئاً قبل أن يصير كفؤاً لما هو مقدم عليه، ويصبح لنفسه ولها الرجل الذي تستحق.

فيداري هواه ويكتم حبه ويستحضر صورتها في عقله، ليخط خارطة الطريق إلى الفوز بها. يسكنها قلبه الرحب لتشعله دأباً وحماساً يفرغ لها وقته ويبذل فيه كامل جهده لينال حظو قربها.

يستعين في سعيه بربه جل علاه، لا يكل عن إرسال الدعوات للسماء. يذكرها في كل صلاة، ويسأله إياها في كل خلوة معه. فهي قاطرته لإكمال دينه، التي سيربطه بها ميثاق غليظ من المودة والرحمة، تهنأ به نفسه التي خلق له الله زوجه منها.
أيبدو الأمر عسيراً؟.. ربما، بل مؤكد!

ليس إحتواء الهوى وكبح جماح النفس عن شهواتها بالهين مطلقاً، لعمري إنه لمن أشد الجهاد وأعتاه. ألم يرد عن خاتم المرسلين قوله أن أفضل الجهاد من جاهد نفسه وهواه في ذات الله عز وجل.

نعم تكويه نار الشوق، إلا أنه يلطفها بالصبر والاحتساب، يهدئ من حدتها باستمرار تذكير نفسه بأن طاعة ربه تأتي أولاً. يداعبها بأمل واعد وحسن ظن يثق يقيناً بتدبير ربه الخير له، فيوكل له أمره كله ويتوقع الخير وينتظره.

إنه لشأن جليل لا يقوى عليه سوى الرجال حقاً!
كم تمتلئ نفسي غبطة عليهم!.. أنَّى لهم هذا؟!

قد أتعلل بأنني فتاة لست بالخلق رجلاً فلا مجال للمقارنة، إلا أني حاولت إجراء مقارنة فرضية. وجدتني لا أملك حظاً وافراً من هذه القوة والجلد، حتماً هو أمر للشجعان البواسل حصراً، أولئك القابضين على الجمر.

أعتقدني أضعف من ذلك، أضعف من أن أسمح لقلبي أن يخوض نزالاً كي يفوز بمن يأمل قربه ويتمنى وصاله. أضعف حتى من أن يخفض أسواره العالية، ويفتح أبواب قلاعه العاتية، مسلماً رايته البيضاء ممهداً الطريق لأحدهم بإقتحامه وسبر أغواره.

لا يملك الجرأة على الهجوم وأخذ الخطوة الأولى، يستميت في الدفاع حتى لو كان المحاصر لجدرانه يروقه ويميل له. يتمنع عنه آنفاً آبياً أن يفسح مجالاً ويمنح إذناً بالدخول لاستكشافه، خوفاً ربما من عواقب وخيمة لا يقوى على التعافي منها الآن، و ربما ينطبق عليه قول الرافعي:
ومن طبع المرأة أنها إذا أحبت امتنعت أن تكون البادئة، فالتوت على صاحبها وهي عاشقة، وجاحدت وهي مقرة
وربما لأن من حاولوا سلفاً لم يكونوا أكفاء على قدر النزال، فلم يعرهم انتباهه، وارتأى أن أمرهم إضاعة وقت بلا جدوى.

وربما لأن كثيراً ممن يحومون حوله هم محض ذكور أكسبهم التوستيستيرون صفات الرجولة الثانوية من مظاهر خارجية، لكنهم أفقر الناس لما تشمله هذه الصفة الجليلة.

أشباه الرجال الذين يختبئون وراء شاشات الهواتف النقالة والحواسيب الإلكترونية يناوشون الهوى كراً وفراً. ما أكثرهم! كيف أضحى المرء يراهم بكل واد يهيمون!.

لا يجرؤون على المواجهة ولا يعون شيئاً عن الحب. بعضهم لا يسعى للحب ذاته، بل لإشباع شهوة عابرة، وقضاء لذات وقتية يتنقل بها من قلب لآخر متنوعاً قتلاً للملل.

البعض الآخر قد يحمل في قلبه حباً حقيقياً إلا أنه تنقصه الشجاعة، فيبقى حبيس محاولات واهية، لا تنم عن الرجولة بتاتاً. يجول في فضاء إلكتروني يحاول الكرة تلو الأخرى أن يحرز هدفه، وإذ لم يلق قبولاً يبدأ خياله المريض بنسج أوهام وتبريرات يغوص بداخلها، ينتشي بها كالمواد المخدرة تسكن مرارة فشله.

لا يدركون أن الحب شجاعة تدفعها ثقة بالنفس، لا تبدأ بزر إعجاب أو متابعة ولا رسالة على صناديق رسائل مواقع التواصل وتطبيقات المحادثة. بل بطرقة على الباب أو على أذن قريبة للمحب تخبره بوجود ساع كريم.

يتبعها دخول للبيوت من أبوابها وسعادة عارمة حال تمت الموافقة، أو بعض من الخيبة والإحباط حالة الرفض سيداويها الزمن. ربما يدرك بعدها أن الخير يقبع في مكان آخر، فعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، ويرزقه الله عوضاً آخر ويبدله خيراً.

أما من ينسج حباً على شبكات عنكبوتية واهنة خيوطها، يحكم على نفسه لا محالة بمعاناة طويلة الأمد مجهولة المصير. يتركها فريسة لأوهام تنهش فيها وتقتل روحه بالبطيء. يستهلك مشاعره في أحلام يقظة تصعد به لسابع سماء في أوقات سعادة لحظية، لا تلبث أن تهبط به أسفل سافلين محطمة إياه عندما لا يوفق لمراده.

الأمر سيان هنا على الجنسين، لكل من يختبئ وراء الشاشات ذوات الضوء الأزرق. لا تسمحوا لفراغكم أن يخلق لكم سراباً أنجبته أنفس خاوية أنهكها التيه، وعقول أعياها الشتات.

كونوا رجالاً لأنفسكم وأعدوها ما استطعتم من عدة لتخرجوا بأفضل صورة لها، أفرغوا جُلَّ ما بجعبتكم من فضائل. أزيلوا الغبار عن فطرتكم القويمة، وأطلقوا لها العنان.

قد يلحظ بي البعض تناقضاً في السياق، فكيف أتغنى بالشجاعة في الحب في حين أسمح لنفسي أن أجبن كما سبق وذكرت وأجرم ذا علي غيري؟!.
إلا أنني أتعلل وأقول ربما لكوني لم أصل للحد الأدنى لأفضل نسخة مني بعد، لم أزرع بنفسي الصفات الكافية التي أسعى لاكتسابها وأرغبها بغيري. استلزم أن أشغلها بما هو أنفع لها الآن. ولا أجد شاهداً أبلغ مما قاله أنس السلطان عن الحب في إحدى حلقاته:
الحب قرار.. أوله اختياري وآخره اضطراري

كما ذكر في قاعدة المحبة لفقه الشافعي:
الحب أمر يكثر بالشغل ويقل بالانشغال

أي يكثر كلما زاد تفكيرك به حتى يصل بك حد الالتهام فيسلبك عقلك. أما إذا انشغلت عنه وتجاهلته يصغر شيئاً فشيئاً إلى أن يتلاشى.

وكلا لست أحلق في عالم من المثاليات يستحيل وجوده، إنما أعبر عن نماذج واقعية رأيتها بأم عيني، عشت مع أصحابها تجاربهم المتفردة. تعلمت خلالها دروساً لن أنساها، لمست الرجولة في رجال ونساء هم في نظري أبطال هذا الزمان الخارقون الخالدون روحاً وفكراً لا أجساداً فانية.
يعلمون جيداً ما يعنيه تآلف روحين تحت سقف واحد، وما تعقبه ذلك من مسؤولية بالغة الخطورة تشكل أساس مجتمع فاضل.

لهؤلاء الرجال شيماً لا هيئة.. كان لزاماً أن أحدث عنكم.

كل ما أوردته هو تذكير لنفسي بالمقام الأول، ولن أركن لمجرد الانبهار والاكتفاء بالتمني، سأسعى دائبة لأن أطوع فؤادي وأشكل منه قلباً كالذي ينبض عزماً بين جوانحكم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.