المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة محمد عبد الرحمن Headshot

نسبية الأشياء!

تم النشر: تم التحديث:

(1)

كانت والدتي -رحمها الله- كثيرة الذِكر لموتِها، دوماً في أي تجمّع تُوصينا بألا نحزن عليها، وأن تُراقب كلّ مِنا لسانها فلا يلفُظ بشيء يُغضِبُ الله.

في نهاية الحديث أو رُبما قبل نهايته بقليل كانت تخُصني بطلبها الدائم: "إذا فاضت روحي إلى الله وقبل دفنِي اجلِسي بجوارِي وأسمِعيني ما تيّسر من القرآن، سواء كُنت أنتِ القارئة أو أحد القراء القابعين على هاتِفك".

وقت وفاتها بهتت كل الألوان من حولي وتلاعبت الصدمة بعقلي فأذهبته، أذهبته من كل شيء إلا من وصيتها.

في طريق العودة من المشفى شاءت الأقدار حينها أن تتبدل الأدوار وأكون سندها ولو لمرة واحدة.

ضممتُها إلى صدري، أحطتُها بذراعيّ وبطريقة شِبه آلية أخرجتُ هاتفي، لامست أناملي -بدون أدنى إدراك منّي- قائمة تضُم أحب سور القرآن إليّ، كانت مُرتلة بصوت المنشاوي رحمه الله، وضعتُ هاتفي بجوارِنا وتركته يُرتل إلى ما شاء الله له ولنا.

حقيقة كُنت قبل تلك اللحظة أذوب في جمال صوته؛ فقد كان من ألطف ترانيم الكون إليّ، ولكنّه "كان"؛ فمُنذ قليل وها قد مرّ على وفاتِها عامان من الظمأ انقبض قلبي حين لامست أناملي -سهواً- تلك القائمة فسارعتُ بالخروج، تفلتُ منها كما أتفلتُ دوماً من المرور بجوار المشفى المذكور أعلاه.

صارت بسملة المنشاوي كسوطِ عذابٍ بعدما كانت مِزماراً يخطفُ الألباب! لكن في الحقيقة صوتُ المنشاوي كما هو؛ لم يتغيّر. لكنّ مشاعري تجاهه هي التي تغيّرت فأضحى صوته شيئاً نسبياً.

(2)

فى نهاية عامي الأخير كطالبة في الجامعة ومع كثير من الاحتفالات بالتخرج وإنهاء مشوارنا الأكاديمي، كانت تُسِّر كل رفيقةٍ مِنّا إلى الأخرى بأنها سوف تفتقد الجامعة بما اشتملت عليه. كُنتُ أُصبِّرُ نفسي بأن الجامعة ستظل كما هي لن تذهب وسآتي إليها كُلما غالبني الحنين وفي اليوم الأخير حاولتُ بقدر استطاعتي أن أحتضن بعيني كل ركنٍ فيها.

فأغلب زواياها احتضنتني في يومٍ ما، فهُنا جمعتني بأقربهُن إلى قلبي، وهُناك اتكأتُ على كتفِ إحداهُن هانئة البال بعدما أثقلتُ كاهِلها بهمومي.

في المُدَرج تلقيّتُ العِلمَ وإن كان أغلبهُ حشواً لا يُسمِنُ ولا يُغني من جوع، ولكن كان يكفينا من المُحاضرة المُمِلة هي تلك النقاشات اللطيفة بيني وبين رفيقاتي فيما كان يبدو لنا أنها أكثرُ نَفعاً.

المعامل وقاعات السكاشن والكثير من أركان كليتي حتى الطُرقات وددتُ حينها لو أن أُعبئها في حقيبتي وأعود بها إلى بيتي لكنّهُ لم يكُن.

بعد عامين من التخرج عُدتُ إلى الجامعة كطالبة في الدراسات العُليا.

عُدت حينها وَحدي بلا رفِقتي التي أحببت ولا دُفعتي اللطيفة ولا أحد ممن ألِفت.

حين دخلتها وتجولتُ في طُرقاتِها.. وجدُتها باهتة.

استندتُ إلى أركانها فوجدتُها باردة كأنها تلفظني.

تفقدتُ شوقي إليها فوجدته شوقاً لذكرى دافئة وُلدت هُنا.. في الجامعة فأضفت على أركانها جمالاً خاصاً بالذكرى لا بالجامعة. استكملتُ دراستي وأيقنتُ أن الجامعة لا تزيدُ عن كونِها شيئاً، والأشياء جميعُها نسبية!

(3)

في صِغري كانت طقوسي مع العيد غاية في الغرابة والجمال، ليلة العيد وَحدها كانت كفيلة بأن تُوقِف قلبي من الفَرح. ليلته يتراقصُ قلبي من البهجة وكثيراً ما يُجافيني النوم.

أُرتب ملابسي الجديدة وبين الحين والآخر أذهب لتفقُدِها وكأنّ أحدهم سيهبط من السماء لينتزعها مني.

في الصباح استيقظُ باكراً هذا وإن غشاني النُعاس ابتداءً، أرتدي ملابسي وأجلس أنتظر عودة أبي من الصلاة.

أُقبِّل كفيّه هو وأمي، آخذ عيديتي منه فيكون ذلك آخر حاجز بيني وبين الانطلاق.

أَلتقي بصُحبتي وننطلق، أمكُث اليوم كله خارج البيت ولا أعود إليه إلا للضرورات أو لاقتراب موعد النوم فقط.

تمر أيام العيد هكذا إلى أن يذهب وتعود الحياة لرتابتها المُعتادة.

توالت أعيادي هكذا تمور بالبهجة والجمال إلى أن اشتد عودي وتفرّق الصحبُ فأضحت جميعها باهِتة.

استقبالي لها أصبح فاتراً، أرى العيد يوماً كباقي الأيام لا يمتاز عن غيره إلا بكونه شعيرة من شعائر الله وَجب تعظيمها، وبعد وفاة والدتي صار مدعاةً للبُكاء وتجديداً للألم. أستذكرُ الآن أعيادي فأجدها كجميع الأشياء.. نسبية!

(4)

ربما صوت المنشاوي بذاته غاية في الجمال كما كان بالنسبة لي، لكنّهُ بعدما تمازجت بسملته مع عبراتي المُتتابعة أضحى مؤلِماً، قاسياً كوقع الصدمة.

ربما لم تكُن أركان الجامعة باردة حين عُدتُ إليها وَحدي وكذلك أيضَاً لم تكُن دافئة بالقدرِ الذي أنعش قلبي حين بسَطت إليّ رفيقتي قلبها فاحتوتني.

العيد يومٌ كباقي الأيام لا يجُر آلاماً ولا يأتي بفَرْحٍ جديد.. لكنّ نظرتي له أحالته من سِعة اللُطفِ إلى ضيق الألم.

وكذلك باقي الأشياء صِبغتُها نسبية تأتي من داخل النفسِ لا من خارج الحياة ولا من الأشياء نفسها.

فكما يرى المرعوب الأجسام القائمة أشباحاً جاثمة ويرى المحزون الزهرة أوراقاً مُتغضنة والأشجار أخشاباً منصوبة بينما تراها أنت جنةُ الله على الأرض، كذلك تظل الأشياء كما هي ثابتة، ونحنُ من نُضفي عليها الجمال فنزدادُ بها تعلُقاً أو أن نسحبه منها فتُحال شديدة القُبح، أو لا نملكُ لها شيئاً فتبقى كما هي في البَينِ بَيْن؛ لأجل ذلك فالأشياء جميعُها نسبية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.