المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة حسني  Headshot

دفاعاً عن اللاجئين من حديث المؤامرات والتخوين

تم النشر: تم التحديث:

انشغل العالم مؤخرا بموضوع اللاجئين السوريين وموجة الهجرة التي قام بها الآلاف منهم في اتجاه القارة العجوز. وتناقل الكثير من رواد المواقع الاجتماعية والصحف صورا وقصصا مأساوية حركت مشاعرهم ووضعت قيادات أوروبا، التي يموت على ضفافها عشرات نازحين، وجها لوجه أمام قيمهم وإنسانيتهم.
ومن بين كل الأخبار والأحاديث المتداولة، وجدت مقالات كثيرة ينظر أصحابها إلى الموضوع من زاوية أخرى. حيث يتحدثون عن مؤامرات تدبر في الخفاء لإخراج السوريين من أرضهم بغية تقسيمها، وعن مخططات لتشييع سوريا وتغيير خارطة الشرق الأوسط، والحقيقة أن مثل هذه النظريات يمكن أن تكون صحيحة كما يمكن أن تكون مجرد تكهنات من وحي خيال أصحابها، إلا أن أكثر ما لفت انتباهي كان نوعا محددا من الأفكار التي يرددها بعض العرب على مواقع التواصل الاجتماعي، ينتقدون عبرها خيار الهجرة، ويتهمون السوريين بالتخلي عن وطنهم بدل الانخراط في القتال دفاعا عنه، ويرون في هروبهم استسلاما لمخططات غربية.
هذا النوع من الاتهامات القاسية جعلني أتساءل عن مدى اطلاع أصحابها على فظاعة الوضع الإنساني في سوريا والأهوال التي يواجهها السوريون قبل أن يفكروا في الخروج من بيوتهم وتحمل مشاق السير لمسافات طويلة برا وبحرا طمعا في النجاة.
مبدئيا، لا شك أن مسألة الهجرة ليست في صالح سوريا، لكنها، في تقديري، الحل الوحيد أمام السوريين للنفاذ بجلدهم من براثن الموت. ولكي يكون حكمنا أكثر واقعية، وحتى لا نقع في فخ التنظير، لا يجدر بنا أن نحكم على القضية انطلاقا من موقعنا كأشخاص نعيش في ظروف أمنية جيدة بعيدا عن ساحة الأحداث.
بدل ذلك، يمكن أن نحاول وضع أنفسنا مكان سوري فقد والدا أو زوجا أو ابنا أو جميعهم، واضطر للنجاة بنفسه وما تبقى من أهله من الموت برصاص الشبيحة أو برميل متفجر.
أو لنتخيل أننا من سوريي مخيم اليرموك الذين حوصروا طويلا حتى بلغ بهم الجوع مبلغه، فلجأوا لأوراق الأشجار وحشائش الأرض ليملأوا بها أفواه أطفالهم الباكية.
ولننظر أيضا إلى اللاجئين الذين رحلوا إلى دول الجوار منذ بداية الحرب وعاشوا معتمدين على ما جادت به بعض المنظمات الخيرية والمحسنين دون أن تتحسن أوضاعهم أو تظهر لهم أمارات تبشرهم بعودة قريبة.
بالموازاة مع كل هذا، يجب أن نتأمل منحى تطور الأوضاع الميدانية في سوريا. فالحرب هناك طالت كثيرا وتحولت إلى صراع معقد ونزاعات طائفية بين فصائل لا تدافع عن الشعب السوري ولم تعد تمثل غير نفسها أو جهات خارجية تتبع لها.
إن واقع سوريا المأساوي لم يدع لأبنائها قضية يتشبثون بها أهم من الحفاظ على حياتهم وحياة أطفالهم. ولا أظن أن أي حديث عن مؤامرات محتملة سيجعل السوريين يترددون في الهجرة والهرب. فهؤلاء النازحون لم يقصدوا أوروبا طمعا في حياة الرفاهية التي ينشدها مهاجرون عاديون في ظروف عادية. إنهم يبحثون عن الأمان أولا، وعن حياة كريمة تحفظ لهم ما تبقى من إنسانيتهم ومكان يحمي أطفالهم من التشرد والضياع. وبالتالي فخروجهم من وطنهم لا يسقط عنهم وطنيتهم ولا يبرر اتهامهم بالجبن أو الخيانة.
أما الكلام عن المؤامرات السرية والخطط الخفية فهو مجرد تحصيل حاصل. ذلك أن المؤامرة الحقيقية التي تتعرض لها سوريا واضحة جلية ولم تبدأ فصولها مع موجة اللجوء ولا بسببها. إنها مؤامرة معلنة يقف وراءها المجتمع الدولي الذي ظل منقسما طوال أربع سنوات بين متفرج لا يملك من أمره شيئا (وهو حال معظم الدول العربية) وبين مساهم في إذكاء الخلاف ببيع السلاح أو تصدير المقاتلين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع