المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة هداري Headshot

اجعل ابنك دكتورا وحطم حياته

تم النشر: تم التحديث:

معَ جملَـة مَا نُـحمّلُـه لأبنَــائنــا في سلّـة ذاكَ الإرث العَــظيـم الذي خبأه أجدادنا في رزنامة منَ الأفكار و الأحلام وأعاد تخـزيـنه آباؤنـا في قالب أكثـر أناقة وأشـد طـموحاً؛ يـصـادفُ أن يجـدوا أجْـزاءً مـن حلمنَـا الأول المبتُــور نـُجبـرُهم علَى إتمَـامه ... وَعلى الصّـغـر نطـالبُهـم بـأن يـرتَـدواْ برقُـع أمنيّـاتنـا القديـمة؛ تلْـك التي لمْ يكتَـبْ لهَـا النجــاح فيتـحمّـلون منْ جبـروت فشَـلنـا القَـديم ما لا طـاقَـة لهـمْ به ولاَ جلد لهُـم على إتمام مواصلة تحقيقه.

ننسَـى أننـا بذلك نغتَـصبُ منهُـم تلكَ المسَـاحات الضيّقـة للحُـلم و للأمنيّــات؛ لنَـدسّ فيهـا نصيبـاً من كلّ مَـا لم نحققه نَـحنُ وَ ليَـعيشُـوا علَى أنقَــاض أحلاَمنــا لا أحلامهم .

و لعل هذا يكون العلة الكبرى لفشل أبنائنا حاليا في تحديد هوية لهم أو اختيار حلم يناسب مقاسهم العقلي و الميولي و القدراتي ؛ فلا تستغرب مطلقا حين تقابل طفلاً صغيراً؛ طاعناً في البراءة و جمال المرحلة ؛ فتسأله عن حلمه الموعود ليجيبك ببراءة: "أبي يريدني أن أكون طبيباً كبيراً أو مهندساً مشهوراً"
ليس من الخطأ أبداً زرع الجد والطموح في نفسية أطفالنا؛ ولا تنوير طريقهم بما يقتضيه واجب الأبوة و النصح والتوجيه؛ ولا حتى مد أياديهم بفتيلات النور التي تجعل منهم قادة الغد؛ رعاة المستقبل القريب.

لكن الخطأ القاتل أن نحملهم وزر حلمنا القديم الذي فشلنا في الرسو على مرافئه فَـنُصر على الزمن فيهم أن يصل بر الأمان متغاضين عن ميولاتهم الفكرية وقدرهم الجميل في أن يعيشوا حلماً يليق بهم سواء وافق تطلعاتنا البدائية أو لا.

إن التخبط الذي يعيشه أبناؤنا في تحقيق مستقبلهم و انسداد آفاق أحلامهم مبكراً؛ ليس إلا نتيجة غرقنا في وهم "ابني دكتور قد الدنيا " و "ولدي مهندس كبير" ؛ فغاب عن أمتنا الشاعر والأديب وصاحب ريشة الألوان وبطل الرماية وأصناف الرياضة.

لم نفلح أبداً في التغاضي عن " الأنا " بدائرة أحلام أبنائنا ورغباتهم ؛ و لم نجد لتوسلاتهم الدفينة متسعاً للفهم و الاستيعاب في صدورنا فكان أن أغلقنا أفئدتهم عن جمالية الطموح وبهاء السعي وراء شيء خاص بهم- خاص بهم وفقط- فكانوا أقرب إلى نسخة موحدة تتكرر في كل مجتمعاتنا لا نكاد نرى لها استثناء إلا لماماً.

إن تربية أكبادنا على الخلق و الإبداع وخلق شخصية قادرة على الاختيار يقتضي أن نكون موجهين بارعين في تسيير رغباتهم و حملها على جناح الرفق من أجل محاباة شخصهم الصغير حتى ينمو مدركاً واعياً بما تقتضيه المرحلة من تنويع في الأدوار والابتعاد عن تنميط الأدمغة؛ فليس كل فرد يملك من جمال الحس ما يجعله شاعراً مبدعاً ذواقاً لأسس الفن؛ كما ليس لكل عقل تلك القدرة على حل المعادلات الرياضية مما سيجعله تواقاً ليكون مهندساً معلوماتياً مشهوراً.

أيها الآباء على رغم حبكم الشديد؛ رجاء أفلتوا أحلام أبنائكم من سطوة تحكمكم المبالغ والتفتوا إلى تلك الزاوية من قلوبهم: ماذا يعشقون وماذا يحبون أن يكونوا عليه؟

نعم أورثوهم قدوة... حببوهم في أشخاص ناجحين... لكن إياكم وتسطير حياتهم المقبلة بما تمليه رغباتكم المجحفة بحقهم؛ دعوهم يحلمون ويرغبون ويتمنون؛ ينجحون ويفشلون ويتعثرون... فلقد قتلت فينا نمطية الحلم تلك الحياة العفوية لأطفالنا... !!