المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة الزهراء محمود السيد  Headshot

ولن ينصرك أحد

تم النشر: تم التحديث:

سيكتب الكثيرون عما حدث من المعتوه ترامب، وسيحلل كل من وجهة نظره، سنرى العديد من ألوان المشاعر في مواجهة حدث جلل كهذا، ستتلون المشاعر، بين إشفاقنا على أنفسنا لوقوع كل تلك الأحداث العظيمة لجيلنا في سنوات قليلة، ابتداء من أمل في تحرير، وثورات بذلت لها دماء الشباب، وتنحّ عن العروش لطغاة حاكمين، راودتنا حينها آمال عظام، ثم سرقت الثورات بانقلابات وحروب أهلية ومذابح للأبرياء واعتقالات بالآلاف للشباب في السجون، وتشريد للآمنين.

حتماً سيكون شعور الشفقه على النفس مسيطراً، فقد اختصنا القدر بكل تلك الأحداث الجسام في سنوات خمس، كأن الرتابة والملل اللذين كانا يسيطران على العالم العربي في العقود الماضية قررا التخلي عن دورهما الآن، وجاء دور المفاجآت، لكنها للأسف مفاجآت حزينة مؤلمة، وأحياناً كثيرة مميتة.

سيتنحى شعور الشفقة قليلاً ليأتي شعور الخزي والخذلان من كل البشر، وخصوصاً من يسمون أنفسهم حكاماً لبلادنا العربية، الخزي والخذلان من كل من أيد أو شارك في الوصول بوضع بلادنا إلى هذه الحالة من الهلهلة والتفكك علي جميع المستويات، اجتماعية وسياسية واقتصادية وحتى الدينية.

سيقضي شعور الإحباط، وأن لا أمل هناك، ولا وجود للمستقبل على ما عداه من مشاعر، فالحاضر السيئ هو نهاية الكون التي تقترب بشدة ولا فائدة من أي شيء سوى اصطناع إحساس زائف بالتسليم للقدر الذي هو في حقيقته استسلام للخيبة والهزيمة، لكننا نجمله حتى نستطيع أن نكمل حياتنا، سينتابنا سيل من مشاعر الحزن والغضب يجعلنا نكتب هنا وهناك سباً وقذفاً، وندعو علي الظالمين الذين أوصلونا لما نحن فيه.

كل تلك المشاعر وغيرها مررت بها جميعاً، كما أحسب مر غيري آلاف بل ملايين ربما من المسلمين في شتى بقاع الأرض بتلك المشاعر، وهم يرون هذا الأبله بطريقته الغريبة في الكلام يجعل القدس عاصمة لإسرائيل، لكنني في خضم سيطرة مشاعر الإحباط واليأس عليّ، تذكرت حديثاً قرأته للرسول صلى الله عليه وسلم منذ سنين يقول فيه: إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها. تأملته بقلبي اليوم لأول مرة، كأنه يقول: لا يأس مهما كانت الظروف، ولا تنتظر نتيجة مهما بذلت من مجهود، فالمكسب كله في السعي وليس في النتيجة، تفكرت فيه ملياً لا انعدام مستقبل أكثر من أن ترى القيامة، وتدرك ذلك، وتعلم أنها النهاية، ولا استحالة لانتظار نتيجة أكثر من أنك تحاول العمل على زرع فسيلة، وحولك وأمامك وخلفك تتراءى النهاية.

لا عذر لأحد كائناً من كان عن التوقف عن زرع فسيلته التي يمسكها بيده. لا استحالة النتيجة ولا اقتراب النهاية يشفعان للتوقف، كان من الممكن أن يختار صلى الله عليه وسلم أي عمل تعبدي نختم به الحياة، لكنه لم يفعل.

حين كنت في بداية العشرينات كانت الأفكار وردية مأخوذة بحماسة شديدة، فلا مسيرة لنصرة الأقصى تفوتني لا مظاهرة حاشدة لست فيها، لا عمل مهما كان صغيراً أشارك فيه.

أتذكر في العشرينات قراءتي لثلاثية غرناطة، وأن أقصى مشهد مؤلم لي كان مشهد خذلان أهل الأندلس وهم يعيشون على أمل أن الجيوش والجحافل آتية لنصرتهم من بلاد المسلمين وراء البحر، ولم يأت المدد أبداً وسقطت الأندلس، كانت العشرينات محضن تلك الفكرة الطفولية عن أن الحرب بين الحق والباطل واضحة وصريحة، وأن الباطل يرتدي ثوباً أسود، والحق يرتدي الأبيض، وأنني لا شك مع الحق الناصع الساطع.

حسناً كبرت الآن وتغيرت مفاهيمي الطفولية المصبوغة باللون الزهري وتحفها الفراشات.

كبرت كفاية لأدرك أنه هناك أدوار أخرى كثيرة غير دور الاشتراك في التظاهرات على عظم وجلالة هذا الدور وأهميته، ولكنّي أدركت أن فسيلتي هي القلم والعلم وتربية أبنائي، وأنه حتى لو قامت القيامة غداً فلن أتركهم من يدي، كبرت لأدرك أنه لن ينصرك أحد إذا لم تنصر نفسك أولاً، ولا أروع من مقولة قرأتها لنجم الدين أربكان: ‏"مليار ونصف المليار مسلم ينتظرون الطير الأبابيل لتقضي على 8 ملايين إسرائيلي! والله لو جاءت الأبابيل لرمتنا نحن بالحجارة"!

نعم سقطت الأندلس وسقط غيرها؛ لأنهم اعتمدوا على الأحلام الوردية المنتظرة للقادم البعيد لينصرهم.

كبرت لأدرك أن معركة الحق والباطل ليست واضحة المعالم كما كنت أتخيل، بل مبهمة شديدة الإبهام، وعليّ كل يوم صباحاً ومساء أن أضبط اتجاه بصلتي لأعرف.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.