المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة عبدالمقصود العزب Headshot

الحضارة الإسلامية هل كانت إسلامية؟ "2"

تم النشر: تم التحديث:

تحدثنا في المقال السابق عن بعض الشبهات التي تثار عن حضارة المسلمين بغيةَ صَرْف النظر عما في الإسلام من قيم وعوامل ذاتية للنهضة وصنع الحضارة.

ونستكمل في هذا المقال:

علماء غير مسلمين في الحضارة الإسلامية

وقد تحدث البعض عن أن بعض مَن اشتهرت علومهم وكتبهم لم يكونوا مسلمين، فقد كانوا حسب زعمهم ذمّيين اشتهروا بأسمائهم العربية.

نعم، كان هذا طبيعياً، ليس إعلاء لقيمة المواطنة بلغة هذا الزمان، وإنما لأن الإسلام لا يعادي ولا يحارب الكافر المسالِم، بل هو فرد مساهم في هذه الحضارة التي هو جزء منها تضيف إليه ويضيف إليها، وينعم بخيرها ومجدها.

تماماً كحال الحضارة الغربية اليوم، فالجامعات والمراكز البحثية والمستشفيات وغيرها لا تكاد تخلو من علماء مسلمين كانوا بأبحاثهم واختراعاتهم قيمةً مضافةً للحضارة الغربية، التي صاروا جزءاً من أدواتها قصدوا إلى ذلك أم لم يقصدوا.

فهل المسلم في بلاد الغرب اليوم يحق له أن ينسب اختراعاً عمل عليه في مركز أبحاث غربي على أنه اختراع أنتجته الحضارة الإسلامية؟

ومع ذلك فلم يكن جميع العلماء من غير المسلمين كما يريد البعض أن يوحي بذلك، بل كان علماء المسلمين هم الأكثر عدداً وإنتاجاً كما يتبين لك حين تقرأ في كتب التاريخ الموثقة.

ليسوا عرباً:

وكأن الإسلام يخص العرب، وكأن غير العرب من المسلمين تحركهم وتدفعهم إلى العمل والبحث والاختراع أصولهم القديمة وحضاراتهم السابقة، تظهر شبهة أن كثيراً من العلماء المبدعين لم يكونوا عرباً، فالذي اخترع الجبر أصله فارسي، والذي ألفّ النحو كذلك، وغيرهم كثير من علماء الحضارة الإسلامية.

ولا يفهم مُثيرو تلك الشبهة أن هذا أحد أسباب فخرنا بديننا الذي لم يفرق بين عربي وعجمي، بل جعل التقوى والعلم أساس التفاضل؛ لذلك كان طبيعياً أن يكون من كتب أصح كتب الحديث من بلاد غير عربية وإنما عربها الإسلام.

والحق أن الإسلام يعرب أتباعَه، فالعربية هي اللسان كما قال رسولنا الكريم، وإنما نهض المسلمون وأبدعوا واخترعوا عندما فهموا دينهم وما يدعو إليه من فهم سنن الكون والنظر والاستقراء واستخراج القوانين الطبيعية واستخدامها في كافة العلوم ونفع البشرية بها.


ما قدمته الحضارة الإسلامية كان شيئاً تافهاً لا أثر له أو كان منقولاً ومترجماً معظمه من اليونان والرومان

أما هذا الكلام فأيضاً مرجعه كلام علماء الاستشراق قبل نحو قرن من الزمان أو أكثر، عندما كتبوا كتبهم لشعوبهم كي يصرفوهم عن تتبع آثار تلك الحضارة التي كان لها الفضل في نهضتهم، وليقذفوا في عقولهم الاستهانة بهم وبدينهم الذي كان سر النهضة والحضارة.

ولقد قام المسلمون بترجمة كتب اليونان وغيرهم؛ لأن العلوم الطبيعية تُبنى على ما انتهى العلم إليه؛ لذلك بدأوا بتلك الكتب المترجمة ففهموا ما فيها ثم بحثوا هم وأضافوا وأنتجوا ووضعوا علوماً جديدة، وأسسوا مناهج مختلفة نفعت البشرية قروناً.

وإلا لجاز لنا أن نقول إن كل التقنية والمعارف والفنون التي توصلت إليها حضارة اليوم منقولة ومترجمة مما كتب المسلمون قديماً، وهذا لا يقول به صاحب عقل.

أما إذا أردت أن تعرف ماذا قدّم المسلمون زمن حضارتهم للعالم فاقرأ لمنصفي الغرب من باب (والحق ما شهدت به الأعداء) ومن أشهرهم كما قد تكون قد سمعت كتابا (حضارة العرب) لجوستاف لوبون و(شمس العرب تسطع على الغرب) لزيغريد هونكة.

ليس الخوارزمي وابن سينا وابن الهيثم وبعض الأسماء الأخرى المشهورة التي سمعتها في حصص التاريخ المدرسية قديماً هم فقط علماء المسلمين، بل كان لدى المسلمين على مدى تاريخهم عباقرة ومخترعون وعلماء في التاريخ والجغرافيا ورسم الخرائط، في الفلك والطب، في اللغويات والترجمة، في العمارة والإنشاء والتخطيط، في علم النبات والأدوية، في علم الحيوان والكيمياء، في إبداع نظم وأساليب لإدارة الأمة ودفعها للأمام كنظام الوقف مثلاً، أو التعليم، ونظام الحجر الصحي، والصناعات المختلفة التي عملوا عليها.

والحديث هنا لا تسعه فقرة في مقال، ولا مقال أو اثنان، بل اذهب إلى المصادر الموثقة إن كنت جاداً في معرفة تاريخ أجدادك، كيف كانوا حقاً؟ وما الذي دفعهم للعلم والتبحّر فيه والغوص في أسرار الكون وستجد حينها بحاراً زاخرة من علوم وفنون وآداب كانوا أصحابها، لما فهموا رسالة الله إليهم وأدّوها خير الأداء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.