المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة الزهراء زعري Headshot

التمريض في الجحيم بالمغرب.. "صرخة ممرضة"

تم النشر: تم التحديث:

كل ما يجول بخاطري الآن.. كيف لهم أن يكرهونا إلى هذا الحد؟ ما ذنبي إن اخترت التمريض؟

أنا أغرق في مثلث برمودا المجتمع، مثلثي هذا ليس كذاك الذي التهم الطائرات والسفن في عمق البحر.. مثلثي هذا خانق جداً، لا يميتك حتى ترتاح.. ولا يحييك حتى ترضى.. هو فقط يجرك إلى متاهة مغلقة الأبواب.. مهما حاولت الخروج.. لا جدوى.. فأنت عالق!
تدرس.. تكافح.. تحصل على معدل جيد ثم يدفعك قدرك إلى ميدان ليس كما تخيلته بتاتاً.. فيصبح مستقبلك سبب تعاستك.


تدخل التمريض من أوسع أبوابه باجتيازك الانتقاء الأولي حسب معدلك، وبعدها الآن أنت داخل القاعة تتبارى مع خمسمائة شخص من أجل أربعين مقعداً..

مبروك لقد نجحت "وللأسف أنت من المختارين الذين سيعانون حتى آخر نفس" هذه العبارة لا تقال لك بالتأكيد.. أنت فقط من سيكتشفها.

مرحباً بك في معهد التمريض.. ادخل برجلك اليمنى.. اترك أحلامك خارجاً.. تخلص من أناك لأنك ستتخرج كأنك لست أنت.. ستتلقى ثلاث سنوات من التعليم والتدريب حتى تحصل على إجازة في التمريض.. انتهت مدة تعليمك أنت الآن ممرض دولة.


هل تظن أنك أصبحت من ملائكة الرحمة؟ لا أنت لست على صواب للأسف، فيوم تخرجك سيمنحك معهدك شهادة تعترف بقدراتك على ممارسة مهنتك وعلى التوالي أنت الآن مرتشٍ.. عديم الفائدة.. قاتل.. سفاح.. مصاص دماء... لا تسألني كيف ولماذا ومتى أصبحت كل هذا؟ فأنا أيضاً أبحث عن جواب لنفس السؤال.

كل ما أعرفه أنه ليس من العدل أن تتخرج بشهادتك العلمية فقط فلا بد من أن تأخذ شهادة من مجتمعك الراقي الذي لا يخطئ الحكم.


ورغم أنك لم تزاول مهنتك بعد فأنت ملعون في نظرهم لمجرد أنك خريج تمريض وستعاني من هذه اللعنة طوال حياتك، ستنهار من أحكام الناس، ستصاب بالجنون عندما تسمع أحدهم لا يفقه شيئاً في ميدانك ويشير بإصبعه نحوك مدعياً أنك من تلك الفئة التي لم تكمل دراستها فالتحقت بالتمريض.. ستصرخ وتغضب ستحاول تصحيح معلوماتهم الهشة ستبرر التحاقك بالتمريض على أنه ميدان علمي لا يقل عن أي علم من العلوم، وأنك حاصل على ميزة جيدة في البكالوريا.

بعد كل هذا أنت اليوم ممرض موظف، لا تفرح.. فقد بدأ العد العكسي الآن.. ستجد نفسك داخل ظلمة الاكتئاب عندما تقوم بكل ما في وسعك لإنقاذ مريضك لتفقده بعد مصارعة حادة مع عزرائيل، وتأتي العائلة المصونة وترميك بكومة عبارات سامة قاسية وتدعو الله أن يريها فيك عجائب قدرته.

ماذا بعد كل هذا القهر؟ أتريد أن تعرف حقاً!

بعد كل هذه الصراعات والعقبات التي سببها مجتمعك لك ستفقد الأمل في تغيير نظرتهم وستصبح من أكبر المتجاهلين لما يخرج من أفواههم.. ستواصل طريقك وأنت منعزل عنهم وكأنك لا تنتمي إلى مجرتهم.. ستدخل المستشفى كل صباح وقبل الجميع.. ستتفقد مرضاك واحداً تلو الآخر وتسأل عن حالة كل منهم وستقدم ما وجب عليك تقديمه.. سينتهي دوامك بقلب منفطر على فقدان مريضك بالسرير 2 الغرفة 1.. وفي نفس الوقت مبتهج من مريض غادرك بصحة جيدة.. وعقلك مشتت.. جزء من تفكيرك مع ذلك المريض في الغرفة الخامسة يحتضر والجزء الآخر منه مع ذاك المستهتر في أخذ حبات دوائه قبل وجبة الأكل.


ستغادر باب المستشفى بصداع نصفي على الأغلب.. ستأخذ تاكسي.. حافلة.. أو ربما قطاراً ويا لَسعادتك ستجد سيدة تنخر في التمريض بكل ما أوتيها من قاموس ناب.. ستبتسم ابتسامة بلهاء.. وتحرك رأسك من الأعلى إلى الأسفل.

ببساطة.. لقد تعودت، وأخيراً أنت في بيتك لتكتشف قطعة سبارادرا (ضماد لاصق) على معطفك، وقطرة بيتادين (مطهر الجروح) على سروالك، وبقعة دم على حذائك، لا تستغرب مما أقول فأنا تنقلت من المستشفى حتى محطة القطار الرباط بقبعة السكرابز "calot" على رأسي، ولم أكتشف ذلك حتى نبهني أحد المسافرين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.