المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة الزهراء الرياض Headshot

الثلاثون.. فاتح شهية لا غير !

تم النشر: تم التحديث:

ليس هنالك أسوأ من أن تجد نفسك في عمر أكبر مما تراه في المرآة ! أتحسس وجهي غير مصدقة، سنوات قفزت على ملامحه؛ غير مخلفة لحسن حظي ندوبا أكثر من عينين متسعتين وابتسامة مستقرة خلف شريط ذكريات طويل..
في الثلاثين وأكثر؛ كل الأرقام بعد هذا العام تصبح مألوفة كأنها فرد من العائلة أو زوجا جوارب !.. تستقبلها بدهشة أقل من صدمة "الكبر" الذي زارني في وقت كنت أحتاجه؛ في الثلاثين وأكثر؛ أصبحت إنسانة أقل محاكمة للآخرين.. قناعات كثيرة تختفي لتدخل محلها رؤى شخصية تكوّنت عن تراكم للتجربة؛ في الثلاثين تصبح أغنية "كتاب حياتي يا عين" حكمة العمر وحين تهفو إلى أذنيك إحدى أغاني "عمرو دياب" تغنيها بلا أدنى معاناة في تذكر الكلمات..
تحس باختلاف كبير؛ فبعد الثلاثين أنت تجفل من الضجيج وأنواعه؛ تجد في غرفة خاصة متعة لقاء نفسك بنفسك.. تصبح الغرف الهادئة والمقاهي جزءا من حقيقتك؛ تزين عالمك الخاص بما تحب فيما يضطر المزعجون للبحث عن شخص يناسبهم في الجنون..
في الثلاثين وأكثر؛ لك نصيب من التفاهة؛ من الضحك بلا سبب.. البكاء كذلك بلا سبب.. شراء أغراض لا تحتاجها في شيء سوى لأنها قد تشكل لديك صديقا جديدا.. تحديا، تجريبا، أي شيء يقل أو ينعدم؛ فتصبح أنت بحد ذاتك تجربة فريدة ومميزة .. تجربة حياة قابلة لأن تستكين وتتخثر، فتتعمق أكثر..
في الثلاثين؛ قلبك متعب للغاية.. مليء بالحروب والهزائم والويلات العظيمة.. في الثلاثين؛ أنت لا تبحث عن حبيب ولا تنتظر صديقا ولا تجلس بالمقربة من المعجزات.. أنت تعيش كل ساعة بكامل قدسية اللحظات والثواني؛ تتلذذ بطعم مغادرة دقيقة دقيقة؛ تشاهد من نافذة قلبك حياتك الطويلة فتجدك تقول في كل مرة يستوقفك مشهد حزين: "كيف استطعت أن أظل بقوة حتى اليوم؟"
تصبح في جوقة العميان المبصر الوحيد..وفي السفر أنت الصامت الهادئ المختلف.. وفي العمل أنت القلوق بجدية على مستقبله.. وفي الحياة تصبح "عمو" أو "طاطا" لكل أولاد الحي والجيران والمعارف..
قد يداهمك مثلي قلق إبداع ما؛ فتشغل به وقتك الفسيح وقد تجده سببا مقنعا -كما وجدت- لتتخلف عن حفلات الأصدقاء وسهراتهم..
الثلاثون فما فوق ليست سنوات عادية؛ إنها جحافل من ألم الطيش والخيبات المتتالية؛ إنها المحطة التي ترغمك على أخذ نفس عميق والاستراحة تحت ظل قرار.. هو سن يتخطى احتمال "أن تكون أو لا تكون" إلى "من تكون؟" ! .. الثلاثون فما فوق هو أن تعتمد عليك؛ هو أن تقتنع أخيرا بأن لا أحد له فضل عليك وأن لا شخص يدوم كما قلبك وجيبك.. هو حدسك الصائب غالبا في من تقابلهم.. هو صبرك على الأذى وهو تمردك على الظلم.. هو أن ترى في الطيبوبة أسلوب حياة بعيدا عما قد ينسجه حولك الآخرون من خيالات لا تشبهك.. يصبح كلام الناس غثاء أعمى..
الثلاثون ليس كما يصوره العامة؛ بداية لتشيخ ولتكون داخل أقفاص مجتمعية جاهزة.. ليس قولبة خطيرة للفرد وقناعاته ولم تكن أبدا قطارا مبكرا لنضج متأخر ! الثلاثون فواتح شهية لسنون في منتهى روعتها لم تأت بعد.. لأعوام تحمل أجوبة علقت في طيش.. مفاتيح لأبواب أغلقها يأس..
في الثلاثين .. يمر جيل اليوم لتتضح الهوة بين الجيلين أكثر؛ ولتتأكد بأن النصيحة وحدها لا تصنع الأبطال؛ وأن السنوات مروض حقيقي لقوتك وضعفك الداخليين..
الآن ما عدت أستحي لأبكي مع أي كان وفي أي كان.. ما عدت أندهش من مغازلة شباب أصغر .. ما عاد تثير اشمئزازي قراءة الرسائل القصيرة الدارجة بحروف إفرنجية.. ما عدت أفشل في إعطاء أعذار تكفي لغياب الناس وتقلب مزاجهم.. علاقتي بالاتصالات الهاتفية فاشلة..الآن؛ أصبحت أعطي للحزن وقته وللفرح وقته؛ لنومي وقته فسهر لرقن قصة أصبح مهمة شبه مستحيلة؛ والجلوس لشهور من أجل إنجاز كتاب قد يتخذ الآن أعوام قادمة..

عزيزي الثلاثيني فما فوق؛ لا تخف لأن الحكمة آتية في العقد الموالي.. و لا تندهش إلم تجد نفسك فيما كتبته و لا تجزع.. قد تكون متنكرا لكل هذا الخليط من التغيرات وقد تكون أنت أنت.. الشخص الذي يكبر وبداخله مراهق أبدي ..وقد تكون أنت أنت؛ طفلة تصغر كلما كبرت..
عزيزي الثلاثيني؛ لا تنس أن الشهر لا يستقيم إلا بأيامه الثلاثين..؛ وأن30هو رقم يدل على التوازن المثالي في المنظمة الكونية.. وأن الصيام لا يكتمل إلا بسحر الطاعة والصبر على المشقة ..شهرا
عزيزي الثلاثيني؛ قل لنفسك كل يوم: هو فاتح شهية..لا غير !

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.