المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة شيخو أحمد Headshot

حديث عن الأنساق

تم النشر: تم التحديث:

يُعرّف النسق عامة بأنه مجموعة من العناصر المترابطة على نحو معيّن، تشكّل كلاً واحداً، ويمكن القول بأن كل ما في الوجود الإنساني يشكّل مجموعة من الأنساق المتكاملة والمنسجمة فيما بينها بنسب متفاوتة، وهي تشير في العادة إلى موضوعات معقّدة، لا تتميّز فقط بتآلفها من عناصر وروابط عديدة، وإنما أيضاً بتشكّل هذه العناصر والروابط من أنماط وكيفيّات مختلفة.

وتشير الأنساق عادةً إلى موضوعات معقّدة، لا تتميّز فقط بتآلفها من عناصر وروابط عديدة، وإنما أيضاً بتشكّل هذه العناصر والروابط من أنماط وكيفيّات مختلفة.

ولما كان "الإنسان جوهريّاً كائناً ثقافياً" على حد قول دنيس كوش، فإن الأنساق الثقافيّة هي الأقدر على التعبير عن حياته الاجتماعيّة بكل مستوياتها، فلا تنشأ هذه الأنساق إلا في إطار المجتمع، ويرتبط ظهورها بنشأة المجتمعات، وتتطور بتطورها، فتحدّد مسارات الأفراد واتجاهاتهم ونمط تفكيرهم وأنواع سلوكهم في إطار المجتمع.

إن الأنساق الثقافية ليست وليدة اللحظة، بل هي مرافقة لحركة المجتمع وتنتقل عبر الأجيال. ويعد ذلك مصدر صحة المجتمع وضمان استمراريته، ويتأسس سلوك الأفراد في الحياة على طبيعة الأنساق الثقافيّة المتجذّرة في المجتمع الذي يعيشون فيه. ومن هنا يتجلّى حضور الأنساق الثقافيّة أساساً لا بدّ منه في الدراسات التي تهتم بالإنسان وتمحور الأدب عليه.

تحمل الأنساق الثقافيّة - نقول الثقافية لأنها الجامعة والأصل- التي تحكم المجتمع قيماً جماليّة تتشكّل من خلال أحكام قيمية صادرة عن أفراد المجتمع فيما يعدّ جميلاً، أو قبيحاً، أو سامياً، أو تافهاً.

فالأنساق الثقافيّة قادرة على تمرير ما يريده المبدع عبر وسائل جماليّة لها قوّة مهيمنة ومتحكّمة بالمبدع، وتوجه آراءه الأدبيّة والفكريّة وتتحكّم بذائقته الفنيّة، وذلك لأن المبدع سواء كان فناناً أو أديباً، في الأساس، يخضع لسلطة هذه الأنساق، بل هو أحد رعاياها.

لنأخذ الرواية على سبيل المثال بوصفها عملاً فنيّاً، فهي تشكّل أحد أهم تجلّيات الأنساق الثقافيّة؛ إذ تتجلّى القيم الجماليّة في النص الروائي عبر تعاليه على الأمور المخالفة للحق والخير والجمال، كقضايا القتل والتعذيب والكره والحقد والاغتصاب، بل تسعى إلى محاربتها وبيان قبحها بأدواتها الجماليّة والفنّية.

فالخطاب الروائي يعد مجالاً تتفاعل فيها الأنساق الثقافيّة بقوّة، فتمرّر قيمها الجماليّة، حيث يعد الخطاب فضاءً رحباً تختبئ وراءه الأنساق، وتتكوّن القيم الجماليّة في هذا الخطاب من خلال علاقتها بالأنساق الثقافيّة التي تصدر عنها، فتكون إما منضوية تحت لوائها، أو تواجهها وتعارضها وتسعى للتمرّد عليها.

لا يخلو عمل أدبي أو فني من معانٍ جماليّة، يعظم أثرها حينما تكون ذات أبعاد إنسانيّة متسامية؛ لتصبح قادرة على التسامي القيمي الجمالي لدى المتلقي، فالنص الأدبي، ولا سيّما الرواية، هو تجميد للحدث وتركيز الضوء عليه، وكلما كان المضمون راقياً كان النموذج الجمالي أكبر تأثيراً، وبذلك يلقى العمل الأدبي قبولاً واستحساناً لدى المتلقي، ويعظم رواجه شرقاً وغرباً. والأمثلة على ذلك العديد من الروايات العالمية "صورة دوريان غراي" لأوسكار وايلد، و"الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي، و"البؤساء" لهيجو، و"قلب الظلام" لجوزيف كونراد..

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الخطاب الروائي يقوم على محورين أساسيين هما الفني والأيديولوجي، فإن كان الأيديولوجي مضمراً والجانب الفني (الجمالي) ظاهراً كان الخطاب أكثر تأثيراً في المتلقي، في حين أن هيمنة الجانب الأيديولوجي يبعد هذا الخطاب عن الفن ويجعل المتلقي ينفضّ عنه؛ لذا فقد كان لا بدّ من الانسجام والتكامل والتوازن بين هذين المحورين.

ولا شك أن المعرفة الجماليّة لا تقوم عند المبدع الروائي بشكلٍ منعزلٍ عما حوله، بل هي نتيجة تفاعل بينه وبين الثقافة الاجتماعيّة التاريخيّة الحضاريّة التي ينشأ فيها وتحيط به، سواء أكان هذا التفاعل سلبياً يقوم على التضاد والرفض والنقد والرغبة في الهدم، أم إيجابياً يقوم على المصالحة والتماهي والرغبة في البناء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.