المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة سلام  Headshot

هذا الحبق على كفي ..

تم النشر: تم التحديث:

أنا بالرحامنة مسقط رأسي، أو لنقل جزء منها، فهي قبيلة شاسعة يجمعها اليوم إقليم إداري بذات الاسم. تربض على أعتاب مدينة مراكش إلى الجنوب في المغرب، ولها جمال بدوي أخاذ في صرامته، عندما تهلّ أساريره ربيعاً يتحول إلى قطعة من الوعد السماوي.

أرافق والدتي إلى عيادة طبيب عرفناه في "فيلاجنا - مركزنا" القروي منذ 20 سنة. أجلس على كرسي أبيض باهت ككل شيء في العيادة القديمة. اللوحات التي ظننت وأنا طفلة أنها أصلية، الأنهار بداخلها التي تساءلت كثيراً حينها إن كان يشبهها واد أم الربيع الوحيد الذي كنا نسمع عنه، والأكواخ الخشبية ذات الأسقف المثلثة، هل توجد حقاً في غابة، ربما قريبة ويعيش فيها الأقزام كما في حكاية بياض الثلج .

اسم طبيبنا أيضاً صار قديماً، حولّه الأهالي من كنيته إلى مسقط رأسه فسمي "الوجدي". يزوره الكل من المركز والدواوير المحيطة، أغنياء وفقراء. والغنى في قرانا وإن يرتبط بعدد هيكتارات الأرض الفلاحية ورؤوس الماشية، إلا أنه يرتبط أكثر بـ"الشنعة" وتعني أبعد من السمعة، إنها قصص القبيلة عن أجداد العائلة هذه أو تلك، خيرها المتوارث وفطنة أبنائها وذكاء تعاملهم وردودهم خلال الأحداث. هذه التي قد لا تبتعد كثيراً عن مدار "الجماعة" (بتسكين الجيم) وهذه قصة أخرى.

الفقر أيضاً لا يمت هنا إلى البؤس. كل قرويينا لهم بيوت شاسعة، وإن من طين، كريمة ومضيافة. ولهم جميعاً قطع أرض وماشية، وينفقون في الأسواق الأسبوعية وعلى أعراسهم بإيثار. الفقر والغنى في القرى مزاجيان كالأمطار التي تحدد كيف ستكون السنة القادمة من العيش.

تعمل مع طبيبنا ممرضة تحولت عبر السنين إلى جزء من العيادة، وهذا يجعل لها وعليها من المرضى دلالة، هم أيضاً لا يتغيرون فقط يكبر أبناؤهم ويتحولون إلى زبائن، وهذا ما يجعل أن لا أحد يحتاج في العيادة بطاقة تعريف، تعطي اسمك وسنك كإجراء روتيني وكفى.

النظام داخل العيادة واضح وبسيط، هناك ميزان لقياس الوزن، وسرير عتيق لا ضرورة له غير منحك شعوراً أنك بمكان له علاقة بالمستشفى. بينما الحلقة الأفضل والأهم تدور رحاها على مهل في غرفة الانتظار الصغيرة: تتبادل الحكايا .

أول ما تدخل الغرفة تلقي سلاماً جماعياً وتبحث لك عن مقعد إن وجد، أو تظل واقفاً. بعد برهة يتعرف عليك أحد الموجودين فتتبادلان حديثاً علنياً، يشمل السؤال عن الحال والعائلة ثم عن المرض الذي أتى بك إلى "الوجدي" هذا الأخير له سمعة طيبة لكن لا يلجأ إليه إلا بعد أن يستنفذ الأمل من شفاء "سبيطار المخزن"، أي المستوصف أو المستشفى المحلي، وهي حكاية أيضاً يعرج عليها خلال الحديث، ضمنها بالتحديد يدخل على خط الحديث شخص ثالث ثم آخرون.

للجميع قصة تبدأ من المرض ثم تسرح إلى الحرث والحصاد، وأسعار العلف وكراء أراضي الرعي التي لن يبذرها أصحابها، وصولاً إلى المناسبات الاجتماعية والبضاعة الجديدة عند "الدكالي" واسمه أيضاً نسب إلى مسقط رأسه، وهو شهير لكونه بائع الأثواب النسائية والعطور ومستحضرات التجميل، والسجاد والأواني المنزلية وغيرها. وحده قادم جديد أو جرس الطبيب الذي يعلن عن انتهاء معاينة وطلب دخول أخرى، يقطع قليلاً الحديث الدائر في القاعة قبل أن يتصل من جديد.

كنت منغمسة في كل التفاصيل وفي متابعة الوجوه التي لوحتها الشمس، والجباه البارزة في شموخ، والنظرات الفضولية في دفء، والأصوات التي كما لو أنها تجعل الحروف تدخل في عناق طويل، كأن تقول "اخيتي" بدل أختي. كنت في شقوق الأيدي من شظف المواسم، وفي سواك الشفاه وكحل العيون وحناء الأكف كالخير والبركات وشهية الفرح. وكانوا جميعاً يشبهونني ويعنوني، وفكرت أنه ليس لدي الحق في أن أتوقف يوماً عن كوني منهم، أو أخذل انتمائي أو أوقف سنابل الحقول عن الامتداد لصدري، وصهيل الخيول عن الجري في شعري، أو لا أتعطر بملحهم وعرقهم وبسماتهم، لي حياة وحيدة من تراب عليّ أن أكون فيها حبقهم..

جرس الوجدي يرن وهو دور أمي، دوري ..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.