المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة سلام  Headshot

جدي الشاب: يا له من عالم رائع !

تم النشر: تم التحديث:

لِمَ نتغير عن فطرتنا أكثر من اللازم ونحن نكبر؟ ولم نعود لمطاردة ما ضاع من صبانا عندما نتعثر باكتشاف أننا بدأنا في التقدم بالسنّ؟ أطرح هذه الأسئلة كثيراً على نفسي، بالأخص عندما أسمع جدي التسعيني يتنادى وأخويه الذين يقاربانه في العمر بكلمة "الدراري". وتحيل في اللهجة المغربية بالمعنى الحرفي على كلمة الأطفال.

والدي أيضاً ينادي أعمامي بذات الاسم، وأضحك لنفسي عندما أسمعه يقول لأمي أنه خارج لمقابة "الدراري". أتخيلهم بشكل أوتوماتيكي مجموعة أطفال لم يكبروا، ونبتت لهم في غفلة من الزمن شنبات، وباتت لهم عائلات. يبدو لي الأمر مسليا لكن يستوقفني بقوة عند سؤال آخر: من قال أن جدي ووالدي يطاردان صباهما؟ ربما هما ببساطة يعيشان الفكرة التي ترتبط في ذهنيهما عن نفسيهما.

وبالمقابل تستوقفني عند حالنا كـ"شباب" كجيل نشيط وعصري وديناميكي، أو المفروض! كبرنا بسرعة أظن. وهذا لا يتعلق بزمن الحرب الحالي، كانت هناك دائماً حروب في عالمنا العربي، وبقدر أكبر كانت ومازالت هناك دسائس أخوة ذات الوطن والدين.

كبرنا ونحن نقطع لاهثين طفولة السنين كما نضجها المتمهل، نرتبط في ذلك بسرعة التكنولوجيا ودوامة الأكثر. صحيح أن الأمور تظل نسبية بين شخص وآخر، لكن أيضاً الشباب والانطلاق لا يرتبطان بمرحلة عمرية معينة. وربما خبرة التقدم في السن تجعلنا نقدر أكثر ما لا ندرك قيمته ونحن أصغر، لكن لا قاعدة.

أفكر بلويس أرمسترونغ وأغنيته الرائعة "ما هذا العالم الرائع/What a Wonderful World" بغض النظر عن عمره عندما قدمها، أرى إلى أي حد يمكن للجمال بعيني الناظر أن يجعل الشيخ شابا والعكس. أن يجعله يجد في الليلة المظلمة قدسية، ويرى القلوب تتبادل المحبة بينما فعلياً، فقط أيدي أصحابها تتصافح، كما تقول كلمات الأغنية.

يا له من عالم رائع، أنت من يستطيع أن يتلمس في الصباح ولادة جديدة، كما يمكن أن يجده بارداً كباقي الصباحات. وإذا كانت الشمس دافئة تخترق القلوب لن تحس بذلك إن لم تكن روحك دافئة بالأساس.

أنت من يستطيع أن يشبب روحه أو يشيخها، بناء على كيفية تعاملك مع الأشخاص والأمور، مع الحياة في أتفه كما أهم تفاصيلها.

مرة قرأت أن قيمتنا كبشر تحددها طريقتنا في محبة غيرنا، لكنني أضيف إلى ذلك أيضا طريقتنا في محبة أنفسنا. لنحب غيرنا والعالم يجب أن نحب أولاً وبتصالح ذواتنا ووجودنا، فحكمة أن فاقد الشيء لا يعطيه، تظل من أرسخ الحقائق عن النفس البشرية. وأجد هنا تفصيل التصالح مع النفس والوجود مهما، لأنه لا يعني القناعة فقط بهبات الله الكثيرة التي نغمض أعيننا عنها بينما نتجاوزها كمسلمات ونسعى إلى غيرها، بل يعني بالأساس أن نقدر قيمة ما نملكه ونحبه، ويصاحبنا في بحثنا عن ما يتشارك معه في تكميلنا.

جدي ليس شخصاً غنياً إذا ما تعلق الأمر بالمال، لكنه كذلك عندما يتعلق الأمر بالعواطف ومعرفة ما يريده من الحياة. "ماذا نساوي حقا دون عواطف ودون طريق خاص؟" هذا هو، لذا كان دائماً قنوعاً في طموح، وصبوراً بإرادة ومحباً دون انتظار المقابل. هذا لم يحطمه يوماً ولم يجعله يكبر دون أن يتمتع بسنوات عمره، لذا أراه يلخص بالنهاية كل ما أريد أن أوصي نفسي وغيري به: تمتع بالحياة وأنت تسعى في الدنيا، كن شاباً جميل الروح حتى تحتمل عناء التواجد في عالم يبدو منزعجاً على الأغلب مِن مَن يعيشون فيه من العبوسين السريعين أمثالي وأمثالك ☺

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.