المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة الزهراء أفقير Headshot

كم يكفي من شهيد ليعيش الوطن؟

تم النشر: تم التحديث:

"تبعاً للبلاغ الصادر عن النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالحسيمة عدد 2017-1-1327 بتاريخ 21 يوليو/تموز 2017 بخصوص واقعة إصابة السيد عماد العتابي بجروح بليغة على مستوى رأسه، والذي سبق نقله للمستشفى العسكري بالرباط للعلاج، فإن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالحسيمة يعلن أن المعني بالأمر عماد العتابي قد وافته المنية بتاريخ يومه بالمستشفى المذكور"، بموجب هذه الكلمات الجافة أعلنت السلطات المغربية رسمياً يومه الثلاثاء 8 أغسطس/آب 2017، نهاية حياة شاب مغربي في مقتبل العمر يدعى عماد العتابي، والذي خرج، إلى جانب المئات من المحتجين، بتاريخ 20 يوليو/تموز للتظاهر بالحسيمة، مطالباً بحقه المشروع في توفير سبل العيش الكريم، ومنادياً بحرية معتقلي ما بات يعرف بـ"حراك الريف".

معرفة في أية ظروف توفّي عماد، يستدعي بالضرورة العودة بالذاكرة للوراء لاستحضار سياق وكرونولوجية الأحداث المرتبطة بهذه النازلة.

28 أكتوبر/تشرين الأول 2016: أصل الحكاية

بتاريخ 28 أكتوبر 2016، انتفض بائع سمك كان يسمى قيد حياته محسن فكري، ضداً على قرار مصادرة سمكه، بدعوى أن نوع السمك الذي صاده ممنوع تداوله بالأسواق، استفز محسن منظر سلعته وهي تُفرم داخل حاوية للأزبال فقفز داخل الشاحنة، تعبيراً عن إحساسه بالظلم والغبن، واحتجاجاً على قرار إتلاف سمكه، لكن وبكبسة زر طُحن السمك وطُحن معه محسن فكري، إلى أن لفظ أنفاسه داخل الشاحنة.

أثار هذا الحادث المأساوي موجة غضب عارمة، وأحدث غلياناً غير مسبوق بين أوساط المغاربة، وفي الوقت الذي تناقلت فيه وسائل الإعلام بمختلف أنواعها الخبر؛ نظراً لفجاعته، أُلهبت مواقع التواصل الاجتماعي بهاشتاغات نارية ساخطة، راحت بعضها في المجمل بالدعوة إلى القصاص لروح الشهيد عبر فتح تحقيق عاجل ونزيه، فيما أبدى نشطاء من خلال هاشتاغات أخرى امتعاضهم مما ألمّ بمحسن فكري مستنكرين سياسة "طحن مو"؛ ليعقب ذلك وبشكل متوال تنظيم مجموعة من الوقفات الاحتجاجية بمختلف أصقاع الوطن تضامناً مع روح الشهيد، ومطالبة بتمتيع المغاربة، أينما كانوا بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

أغلب هذه الوقفات وأضخمها تم بمسرح الجريمة، إن صحّ التعبير؛ إذ كانت تُنظم بمدينة الحسيمة أشكالاً احتجاجية غاضبة بصفة منتظمة قصد الضغط على السلطات بفتح تحقيق نزيه تُحدّد عبره المسؤوليات، ويُدان مَن تتسبب في وفاة المواطن محسن فكري، من جهة، ثم رفع مطالب تتمثل في تنمية الحسيمة ونواحيها وتمكينها من بنية تحتية في المستوى، فضلاً عن توفير فرص شغل للشباب العاطل عن العمل من جهة أخرى.

وفي ظل هذه الأجواء المشحونة برز نجم شاب من أبناء الريف يدعى ناصر الزفزافي، تقلد دور الزعيم فبات هو مَن يوجه فيسبوكياً وميدانياً، ساكنة الحسيمة بعدما كسب شرعية التحدث باسمهم لما رأوا فيه من مقومات الزعامة والقيادة وما تقتضيهما من شجاعة وجرأة.

فبتكسيره لحاجز الصمت والخوف، استطاع الزفزافي في ظرف زمني وجيز ضم قاعدة جماهيرية عريضة فاقت رقعتها الحسيمة؛ لتشمل باقي المدن المغربية إلى أن تعدّت فيما بعد جغرافية خارطة المملكة؛ إذ كان يحظى بمتابعة واسعة من لدن مغاربة الخارج، بالإضافة للصحافة الدولية، وبالموازاة مع ذلك خاض الزفزافي تظاهرات ضخمة وترأس تجمهرات خطابية بأشهر الساحات العمومية بالحسيمة، كان يصور من خلالها بخطاب عامي بسيط الوضع السياسي بالمغرب بدون مساحيق، إلى جانب الإشارة لرموز الفساد بالمغرب ودعوته لإقرار مبدأ المحاسبة، ولأنه ينتمي لـ"حزب الشعب" كان يسمي الأمور بمسمياتها وكان ينعت الأحزاب بـ"الدكاكين السياسية"، وهو الأمر الذي أحرج السلطات المغربية ومن خلالها الأغلبية الحكومية التي وجب التذكير بأنه في الوقت الذي كان فيه المواطنون بالريف يطالبون بتوفير مشفى ونواة جامعية وإحداث مركبات صناعية، كانوا هم منشغلون بتقسيم كعكعة الحقائب الوزارية، وعندما قسموا ما قسموه التقوا ذات يوم بمنزل رئيس الحكومة المعيّن سعد الدين العثماني، واتفقوا على صياغة بلاغ يعج بنعوت لم يسبق وسمعنا بها قط، من قبيل تخوين كل من خرج للتظاهر بالريف واتهام رموزه بالانفصال والعمالة وزرع الفتنة واستهداف أمن الدولة، وهو البلاغ الذي كان له بالغ الأثر في تأجيج الأوضاع، وعلى أثره خرج مجدداً المتظاهرون للشارع للتنديد بما اعتبروه تحامل ومزايدة على أهل الريف وتشكيك في حبهم وولائهم للوطن، مباشرة بعد ذلك توافد على المنطقة وزراء ومسؤولون كبار عاينوا وضع التنمية بالمدينة ونواحيها، تفقدوا أحوال الساكنة ووعدوهم في الأخير بمباشرة العمل استجابة لمطالبهم، وهو الإجراء الذي اعتبره العديد من المتتبعين محاولة لامتصاص الغضب وكبح لجماح الانتفاض، لا سيما أن شرارتهما كانت قد بدأت في الاتساع.

29 مايو/أيار 2017 :
النبش فيما مضى ارتباطاً بوقائع هذا الملف يحيلنا على 29 مايو/أيار، وهو التاريخ الذي يشكل علامة فارقة في منحى الحراك؛ إذ بمقتضاه ستنتقل المظاهرات من المطالبة بتحقيق مطالب اجتماعية إلى المطالبة بالإفراج عن معتقلي الحراك الشعبي، بعدما زُجّ بأكثر من 80 ناشطاً في السجن، من بينهم أيقونة الحراك "ناصر الزفزافي"، بتهم ثقيلة من قبيل تلقّي أموالاً من الخارج لزعزعة أمن الدولة.

11 يونيو/حزيران:
لم يقف زحف الحراك بإيقاف رموزه، ولم ينجح مَن يتبنى منطق الترهيب والتخويف والمقاربة الأمنية بدل الحوار، في ثني المتظاهرين عن الاصطفاف وراء قضيتهم العادلة ومواصلة ما بدأوه من نضال، بل على النقيض من ذلك استمر أهل الريف والمتضامنون معهم على حد سواء في الخروج للشارع تعبيراً عن رفضهم للمقاربة التي تنتهجها الدولة إزاء هذا الملف والدعوة إلى إطلاق سراح كافة المسجونين، وما المسيرة المليونية الغاضبة التي شهدتها الرباط بتاريخ 11 يونيو/حزيران 2017 لأبرز مثال على التفاف الشعب، بمشارب وأعمار مختلفة حول قضية كانت ذات طبيعة اجتماعية لتصبح الآن سياسية.

20 يوليو/تموز: اليوم الأسود
أحيا أهل الريف ذكرى معركة أنوال، بالخروج للتظاهر في الشارع من خلال مسيرة حاشدة عرفت تدخلا أمنياً عنيفاً باستعمال الغازات المسيلة للدموع، وهي المسيرة التي كانت السلطات المحلية بالحسيمة قد أعلنت من خلال بلاغ رسمي مَنعها لأسباب قالت "أمنية" وباركت حكومة العثماني القرار واعتبرته "مسؤولاً".

في هذا اليوم بالذات، أصيب الشاب عماد العتابي بجرح غائر على مستوى الرأس؛ ليتم نقله عبر مروحية للمستشفى العسكري بالرباط بعدما تبين خطورة إصابته التي عزتها السلطات إلى تبادل رشق بالحجارة، فيما قال النشطاء إنها نتيجة التدخل القوي لقوات الأمن المخزنية، وقد لفت قضيته غموض واضح وتكتم شديد؛ إذ في وقت سُربت فيه بعض المصادر الطبية خبر وفاة العتابي في يومه وتناقل أغلب النشطاء الخبر، خرجت السلطات المحلية لإقليم الحسيمة ببيان تؤكد مضامينه أن الحالة الصحية لعماد العتابي مستقرة، وأن ما يروج مجرد إشاعات.

8 أغسطس/آب:
بعدما أُعلن رسمياً عن وفاة عماد العتابي بتاريخ 8 أغسطس/آب، رفضت عائلة الضحية تسلم جثمان ابنها طالما أنها لم تتوصل بالتقرير الطبي الذي طالبت به منذ البداية.

لكن بعد شد وجذب بين السلطات وعائلة العتابي، تم تشييع جثمان الفقيد عند مغرب يوم الخميس 9 أغسطس/آب بمقبرة "اكار ازكاغ" بالحسيمة.

كانت جنازة مهيبة، حمل الرجال نعش الفقيد وهم يذرفون الدموع، بكى الصغير والكبير، كسرت النسوة العرف فشاركوا في تشييع جثمان "شهيد الحرية" مودعين الفقيد العازب بالزغاريد، خيم الحزن على جبال الريف التي رُزئت في أحد أبنائها واعتصر الألم قلوب كل من سمع عن نبأ وفاة عماد، عجت مواقع التواصل الاجتماعي بتدوينات غاضبة رثى فيها أغلب النشطاء عماد، ونعى كل ناشط الراحل ومعه وضع الوطن بطريقته الخاصة.

إن وفاة عماد العتابي وقبله محسن فكري وقبلهما مي فتيحة هي وصمة عار سجلها التاريخ، للأسف، بمداد من دم وحسرة على جبين مغرب القرن الواحد والعشرين، ففضلاً عن كونهم مواطنين بسطاء يجمعهم الانتماء لفئة الشعب، هم أناس شاءت الصدف أن يكون الإحساس بالقهر والحكرة إلى درجة الموت خيطهم الناظم بعدما تسربت إلى دواخلهم مشاعر الظلم والإهانة والاحتقار.

أضرمت مي فتيحة النار في جسدها كتعبير عن اليأس لتسائِل حادثتها الوطن عن وضعية الأرامل وما يكابدنه من معاناة وظلم وقهر، استشهد محسن لتلفت قضيته انتباهنا حول تعامل السلطة القمعي مع المواطنين.. توفي عماد وقدم نفسه قرباناً للموت في سبيل إسماع صوت دعا لتحقيق أسمى ما يوجد على الأرض من غاية وهي الحرية.. رحل عنا هؤلاء وآخرون ليستمر نبض قلب الوطن، لكن إلى متى سيستمر الوضع على هذا النحو يا ترى؟

قال القدر كلمته فرحل من رحل وقمنا بتأبينهم بحسرة وألم، اليوم نحن في غنى ولا طاقة لنا البتة في عيش سيناريو آخر بتفاصيل وشخوص أخرى، اليوم نحن في حاجة قصوى إلى وطن ينصت لأبنائه ويمتعهم بكافة سبل العيش الكريم، وطن يتسع للجميع، وطن يسود فيه الحق والقانون اليوم نحن في حاجة ماسة بوطن ينصر مستضعفيه ويعاقب مفسديه وناهب ثرواته؛ ففي منطقة ما هناك الآن محسن في مسعاه نحو العيش بكرامة يعترضه بطش بعض رجال السلطة.. وهناك فتيحة أخرى تكابد متحدية الظروف كي تعيش بشرف وتضمن لقمة عيش لأيتامها فتواجَه بالإهانة والاحتقار.. وهناك أيضاً عماد آخر يدعو للحرية وسيادة القانون فيواجَه بالترهيب والاعتقال: فهلا أنصت وانتصرت إليهم يا وطن؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.