المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد العسال  Headshot

النهر الأبيض

تم النشر: تم التحديث:

غربت شمس الدنيا عن بلاد بعيدة لتشرق في تناغم لا يخطئ فوق بلدي الحبيبة.. لكنها لم تكن مثل كل يوم فقد أشرقت في صمت وهي تحتجب خلف الغيوم القاتمة والتي ظلت ليلتها تمطر وتمطر وتمطر بصحبة معزوفة هي خليط من البرق والرعد حتى تشكلت أمامي صورة مرعبة لما ستكون عليه الأحوال في الغد..

في الصباح كان المشهد أكثر قسوة مما تخيلت.. فها أنا أقف الآن مع آخرين نحاول عبور هذا النهر الجارف بلا جدوى، بعدما ظلت المياه تتدفق بقوة كأنه سيل يأتي من أعالي الجبال وتساءلت في فضول: أين سيصب هذا النهر المتدفق وكيف حال الشوارع الكبرى فأتتني الإجابة سريعا من خلال زميل عبر الهاتف لتؤكد فشل الوصول إلى العمل بعدما غرقت الأنفاق والطرقات لتتحول المدينة إلى ما يشبه المدينة العائمة وليعجز الجميع عن التصرف بعدما فشل كل شيء عن التحرك..

يبدو أنه لا مفر.. اتخذت قراراً بالعودة مرة أخرى إلى المنزل حتى لا أعاني بلا فائدة وسط هذه الفوضى، وقبل أن أتحرك لفت انتباهي طفل صغير يرتدى الزيّ المدرسي ويحمل فوق ظهره حقيبة المدرسة، وهي تبدو وكأنها حقيبة سفر جعلته ينحني مجبراً.. وقف الصغير المنحني ينظر في سعادة لا أعلم سببها إلى المياه المتدفقة، فهو أمر جديد لم يره من قبل ثم لحظات وألقى بهذا الحمل عن ظهره وانطلق يجرى بعيداً.

ظللت أبحث عنه حتى وجدته عائداً بعد دقائق مهرولاً ويحمل في يده شيئاً لا أعلم ماهيته.. توقف بجوار حقيبته وهو يحاول التقاط أنفاسه ثم اعتدل مرة أخرى واتجه نحو المياه ما دفعني للقلق، فقوة المياه قد تطيح بالصغير دون أدنى شك.. في سعادة بدت لي غريبة مد الصغير يده وأفرغ ما كان يحمل في يده فوق المياه المتدفقة ليتحول هذا النهر الهادر من اللون الأسود إلى اللون الأبيض الناصع..

لم يكن الأمر يحتاج لكثير من الوقت حتى أكتشف ماهية هذا الشيء على الأرجح فقد أفرغ هذا الساحر عبوة من مسحوق الغسيل فوق المياه المتدفقة ليتحول النهر خلال دقائق إلى اللون الأبيض بامتداد عشرات الأمتار..

جذب المشهد العديد فتوقفوا لمشاهدة هذا الساحر الصغير الذي حوّل نهراً داكن السواد إلى نهر ناصع البياض وهو يقفز في سعادة لهذا المشهد الممتد طويلاً لعشرات الأمتار والذي صنعه بيده على الرغم من أن عمره لا يتجاوز السبع سنوات على الأكثر.. وبينما ظل هو يقفز في سعادة قفزت أيضاً برأسي العديد من الأسئلة.. هل وجدها هذا الساحر الصغير فرصة لغسل شوارع لم تغسل من قبل؟ أم وجدها فرصة لتحويل الشوارع إلى اللون الأبيض غير المسبوق؟ هل وجدها فرصة ليرى ما يشبه الثلوج تغطى الشوارع؟ أم أنه مجرد خاطر أتى على عقله الذي لا يبدو صغيراً على الإطلاق فنفذه على الفور؟

تخليت عن أسئلتي وتابعت أيضاً جنون هذا الساحر وهذه الحيوية الصغيرة وأصوات ضحكاته والسعادة التي تملأ وجهه والتي تبدلت إلى وجوم وتعاسة عندما حمل حقيبته مرة أخرى وتحرك منحنياً تاركاً ما فعل ومتجهاً على ما يبدو إلى مدرسته ليقضى يوماً جديداً من حياته في مدرسة، لا أدري ماذا تفعل بهذا الصغير حتى يصاب بكل هذا الوجوم والأسى لمجرد توجهه إليها!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.