المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد العسال  Headshot

صديق للبيع!

تم النشر: تم التحديث:

" صديق للبيع " هكذا كانت تقول اللافتة التي وضعها على صدره مع ابتسامة تعلو وجهه ولا أجد لها وصفاً سوى الغامضة.. لم يعبأ بسخرية من حوله في عربة المترو ولكنى لم أكن أحد الساخرين فقد كنت أسبح في بحر من الأسئلة الفضولية.. ما حكاية هذا الشاب؟.. ما هذه اللافتة غير المسبوقة؟.. ماذا خسر هذا الشاب من قبل؟.. هل حقا ليس له أصدقاء؟.. لماذا يشعر بأنه سلعة غير رائجة؟.. عشرات الأسئلة تدق رأسي وكلما حاولت الإجابة عن سؤال يتضاعف ليصبح أسئلة.. راودتني نفسي من أجل التحدث إليه ولكن استوقفتني السخرية الشديدة التي يلاقيها الشاب فلم أرغب أن أشق عليه بحوار قد يسبب له مزيداً من السخرية.. بدأت السخرية تتحول إلى نوع من أنواع السباب للدرجة التي ظننت بأنه لن يتحملها وقد يندفع للشجار وهو أمر في منتهى الخطورة خاصة لشخص يبدو غريب الأطوار وقد يقدم على أمر جنوني

فجأة وقف واتجه نحو الباب في قرار اتخذه على ما يبدو للتو تاركاً العربة مما أصابني بالارتباك فأنا أريد أن أعرف قصة هذا الشاب والفضول يقتلني.. مع فتح باب العربة اتخذت قراري لملاحقته فانطلقت كالسهم من خلفه.. ظل يسير غير عابئ بأمطار السخرية التي لا تتوقف وأنا أتساءل لماذا يرضى لنفسه بكل هذا الألم النفسي؟.. لماذا يضع نفسه تحت سيف الإهانة ؟.. ظللت خلفه أناور حتى لا يغيب عن نظري.. دقائق وأصبحت أسير من خلفه في الشارع.. توقف فجأة بدون أن ينظر خلفه مما أشعرني بأنه قد يكون تنبه لملاحقتي له.. تواريت خلف شجرة في الوقت الذي عبر هو الشارع.. بعدها وجدته يجلس على الأرض بجوار مسكين يبحث عمن يمن عليه ولو بالقليل.. بدا بأن الشاب يعرفه جيداً فلقد دار بينهما حديث على الفور.. أتت لي فكرة ووضعتها حيز التنفيذ على الفور.. قفزت عبر الشارع بسرعة واقتربت من الاثنين.. وضعت يدي في جيبي وأخرجت ما تيسر ثم وضعته في يد المسكين.. و في الوقت الذي ظل الفقير يدعو لي كان الشاب ينظر إلي بريبة..

حاولت أن أجد سؤالاً مناسباً ولا يعبر عن الفضول فعجزت.. أخيراً لم أجد مفراً من طرح السؤال الذي رأيته يتماشى مع ما يعلنه هذا الشاب في تلك اللافتة "صديق للبيع" وقد أستطيع من خلاله أن أدرك القصة برمتها.. ابتسمت في وجه الشاب ثم قلت "كم الثمن فأنا أبحث عن صديق".. تهللت أسارير الشاب بعدما وجد أخيرا من يرغب في هذه البضاعة ولكن تغيرت ملامحه بسرعة ليمتلئ وجهه بالشك وهو يقول "لا تكذب".. أتت كلماته صادمة وعلى الفور أدركت بأنه قد أستشف فضولي وعليه فهو يأمرني بأن لا أكذب.. شعرت بالخجل من نفسي فأنا بالفعل أكذب ولكن من منا لا يكذب!.. تأسفت له عن ذلك وصارحته بالحقيقة بأني أريد أن أعرف سبب هذه اللافتة.. انتظرت لأسمع إجابة ولكني اندهشت عندما وجدته يقف فجأة غير عابئ لينصرف و صوت ضحكاته لا يخلو من تأنيب ويشير لي بأحد أصابعه قائلا "لا تكذب".. لم أكن بحاجة لملاحقته مرة أخرى فقد أدركت الأمر كله الآن وبوضوح فهو إما مجنون يبحث عن شخص لا يكذب أو واهم بأنه قد يجد يوما من لا يكذب..!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.