المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاتن فريد Headshot

يوميات طبيبة مفروسة فى بلاد المحروسة "2"

تم النشر: تم التحديث:

عندما تطأ أقدام الطبيب كلية الطب ببلادنا ويقضي السبع سنين العجاف بها، فيعتقد أنه عندما سيتخرج فيها سيكون كدكتور" كلارك" او "مارك" في مسلسل إلَّا(غرفة الطوارىء) حيث يُنجز الطبيب عمله ويتنزه ويكون لديه إجازة إسبوعية أو يكون كأحمد مظهر في أحد أفلام الخمسينات حيث حياة الدعة والهدوء، وهاهو يتخرج لتأتيه الصدمة الحضارية من يمينه ويساره، فما إن يتخرج فعليه أن يسلك إحد طريقين لاثالث لهما:

فاولهما أن يكمل بالسلك الجامعى، وثانيهما أن يلتحق بوزارة الصحة -تندرًا يسمونها "وزارة المرض"- وفي كلا الوضعين لا فرق بينهما إلَّا في أن يتباهي الجامعي على طبيب وزارة الصحة أنه أعلى منه درجة وعلمًا في حين أن كلاهما بالمقايس العالمية، لايتقاضا أجرًا محترمًا ولايتلقيا تعليما كافيًا يَرقي إلى أن يُخرج طبيبا لامعًا.

وهذا طبعا يرجع إلى أن المنظومة الطبية العقيمة؛ التي تعتمد في تدريبها على مجهود الفرد وحده لا على المنظومة التي تجبر الجميع إلى العمل بكفاءة، فيتم تلافي الأخطاء البشرية بل، يعانيان من نقص الإمكانيات والأدوات الحديثة.

في منظومتنا الطبية لا تعرف من صَدَر للمسئولين أنه ليتعلم الطبيب يجب عليه أن يعمل بالسخرة، ولاتفهم من صَدَر لهم أن ساعات عمل هذا الكائن المفروس قد تتعدى 72 ساعة إسبوعية.

ويظل كل جيل يعاني من ظلم نفس المنظومة إلَّا أنه يأبى أن يرفع المعانات عن الأجيال بعده .

من يتخيل شخصًا عندما ينزل إلى معترك الحياة في أول حياته وهو عود أخضر يُطلب منه أن يقضي 24 ساعة ساهرًا متيقظًا؛ لأنه الأصغر سنا فهو أقلهم نومًا وأكثرهم عقابًا و عقابه الحرمان من الراحة؛ ولأن من هو أكبر منه مفروسًا مطوحنًا فيحاول أن يقلل عن نفسه أعباءًا ويحملها لهذا الشبل الصغيرالذي قد يكون جاهًلا لكثير من المعلومات، وقد يستجيب ويظل يعمل مُناطحًا كل الظروف محاربًا لبقائه وإثبات ذاته ويدفع في المقابل من أعصابه وصحته ما لايقوى أحد على تحمله، وقد ينهار تمامًا ممايحدث ويتحول إلى اللامبالاة.

وتساهم في تنغيص حياته نقص الإمكانيات وتعرضه المستمر لإهانات من كل حدب وصوب ممن قل شأنه أو كبر، ويدرك هذا المفروس أن نموذج مسلسله الأميركي الطبي ماهو إلَّا مثل أضحوكة ترجمتها إلى العربية في مسلسل حالات حرجة الذى لاعلاقة له بالطب أصلا.

وتكون شتى آمال ذلك المفروس أن يجد سريرًا ينام عليه و طعامًا أدميًا يأكله؛ فشعاره في هذه المرحلة نم أينما سُمِحَ لك وكل اينما سُمِحَ لك.
ومع أنه يقضي أوقاتًا كثيرة في عمله بالحكومة كما يطلق عليها الأطباء إلَّا أنها وحدها لاتكون كافية له فيضطر لكي يذهب ليعمل بمستشفيات خاصة أخرى, والعمل بالمستشفيات الخاصة لايوفر فقط المال ولكنه أيضًا يوفر إمكانيات أعلى في الأجهزة وفرصة أفضل للعمل مع أساتذةٍ كبار قلما ما يتواجدون بالمستشفيات الحكومية لأن وقتهم لايسمح لهم.

وتعتبر منظومتنا هي من قلائل البلدان على ظهر هذا الكوكب التي يسمح فيها لطبيب بالعمل بالمنظومتين العامة والخاصة، وبالطبع ينعكس هذا على أداء الخدمة الطبية بالكفاءة المطلوبة، فالطبيب لدينا قد نَسِيَ مصطلحات كثيرة مثل: إجازة نهاية الأسبوع أو الخروج الترفهي أو التنزه، وكيف له أن يأخذ إجازة وهو يعمل عدد لامحدد من الساعات في الأسبوع؟ ومَن سيحمل عنه هذه الساعات وكيف له أن يقضيها بعد ذلك؟ وكيف له أن يدفع وقت هذه الإجازة؟ بل إنه مشهد طبيعي ميلودرامي أن ترى طبيبًا وبيده كانيولا، لياخذ فيها دوائه، ولديه زكام أو برد؛ مع أنه في البلاد الأخرى، أو المهن الأخرى، ياخذ المريض إجازة لراحة بسريره، أما الطبيب فلامانع أن يكون مصدرًا لنشر هذه العدوى لمن هم حوله، من مرضى وزملاء عمله.

أما متى يقرأ هذا الطبيب ويطلع على ماهو جديد فيكون ذلك خلال عمله ينام ويأكل ويذاكر، فلاتتعجب مثلا لو فتحت حقيبة أحدهم فستجد بها دولاب ملابسه ومكتبة كتبه، ولا تتعجب أن ترى شخصًا مجهدًا منهكًا مشتتًا متعبًا لايجيد التواصل مع من حوله لأنه أصلًا لا يتواصل مع نفسه وأهله، ويظل شكل الطبيب التقليدي ذا الشعر الأشعث وعيون حولها سواد من قلة ساعات نومه، هي الحقيقة التي لا ينكرها أحد.

للاطلاع على الجزء الأول من هذه التدوينة اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.