المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاتن فريد Headshot

يوميات طبيبة مفروسة في مصر المحروسة!

تم النشر: تم التحديث:

أن تعمل بالطب في مصر المحروسة هو عملٌ يجعل منك شخصاً مُثقلاً بالهموم والأحزان. فطبيعة عملك كطبيب تقتضي منك أن تبذل قصارى جهدك لتخدم مريضك، ولكن هيهات ففي بلادنا يغرد الطبيب منفرداً. فقلما ما يكون في سربه مَن يعينه ويساعده ويشدُّ من أزره.

والأطباء صنفان: أحدهما بلا ضمير، لا يلقي بالاً لما حوله، فهذا يعيش حياة رغدة لطيفة لا توتر ولا غيظ فيها. أما إذا كنتَ ذا ضمير وتحمل قلباً نابضاً في طياتك، ترى به أن مريضك بشر يستحق منك التفاني بعملك، فستجد نفسك مغتاظاً مفروساً مقهوراً.

وفي التدوينات التي أنوي كتابتها هنا سأعرض لكم في كل مرة قصة من قصص هذا المفروس وسأحكي لكم تكالب القوى العظمى على هذا المسكين الذي لا همَّ له إلا إنقاذ حياة مرضاه، ومن أجل ذلك يشد رحاله من مكان لمكان؛ كي يتعلم فلا يموت منه مريض نتيجة جهل أو عدم معرفة. ولأننا بلاد تقدر كثيراً الأطباء وتغدق عليهم من الأموال، فالطبيب بالكاد يجد قوت يومه..

وهكذا لو رأيت شابًّا في العشرينات من عمره يحمل على ظهره حقيبة كبيرة تشعرك بأنه قد ضم بها كل ما يملك من الملابس، فعليك أن تعرف أنه طبيب.

هذا لأنه قد لا يدخل بيته لمدة أسبوع كامل، وأنه يتنقل من مشفى لآخر؛ كي يحصل على مال ليكمل دراسته وينفق على نفسه، ويعيش بوضع يليق بهذا الشاب ابن العائلة المحترم، الذي طالما تفوق على أقرانه وحقق أعلى الدرجات. إلى هنا يبدو الأمر عاديًّا، فبلاد المحروسة تعودت أن تفعل هكذا مع حملة الشهادات العليا من أطباء ومهندسين وصيادلة ومعلمين، ولكن ما يغيظ أن هذا الطالب البائس الذي التحق بكلية الطب فأصبح موضع غبطة من حوله والجميع يغبطه لأنه "أصبح دكتور" وفي مخيلتهم بأنه سيكون من أصحاب الأطيان والأملاك وظلوا يرددون على مسامعه أن الطبيب بالإضافة إلى نبل عمله وإنسانيته ورقيّه ومكانته الاجتماعية، فهو يساوي "خمسة عين" وهي عيادة، عزبة، عربية، عروسة، عمارة.. فها هو يكتشف أن مرتبه الشهري لا يكفيه حتى كي يشتري مرجعاً طبيًّا واحداً.

بل وتذهب المفاجأة بنا إلى أن مفتي الديار أجاز دفع أموال الزكاة له، وخرج النقيب الهمام وقتها يطالب الناس لدفع الزكاة للأطباء بدلاً من أن يطالب الحكومة بزيادة مرتب هذا الطبيب، الذي لا يتناسب تماماً دخله مع عدد ساعات عمله بل لا يقف الأمر عند هذا، بل كل من هبَّ ودبَّ يشتمه وقد يُضرَب أثناء عمله لنقص دواء أو لسوء حالة مريض لا دخل له بها، ومع هذا لا يجد من يدافع عنه أو يحميه، فلا يوجد أمن ولا حراسة على المشافي؛ لأنها تخدم البشر وأرخص ما في بلاد المحروسة هو زهق الأرواح.

وليجد الطبيب نفسه في قلب المعارك ويسمع تأسي من حوله على حاله. ويرى هذا المفروس أقرانه ممن كانوا أقل منه مجهوداً ومثابرة على العلم قد تقلدوا أرقى الوظائف بالدولة وحصلوا على أعلى المرتبات فيها، وتحول هو إلى الغابط لهم الحالم بمكانهم، فهم لا يعيشون في هدوء وسكينة فقط، بل يستمتعون بعطلاتهم وأوقات فراغهم، كما أنهم يبيتون لياليهم بمنازلهم على أسرِّتهم. أما هو فحياته وعمله ما هما إلا ثوانٍ.. كل ثانية قد تؤثر في حياة شخص آخر فلو أغفل قليلاً قد تفقد أسرة عائلها ويتشرد الأبناء أو يفقد الأبناء أمهم ويعانون جفاء الزمان، وتظل اكفهم الصغيرة وهي مرفوعة بالدعاء عليه تطارده طيلة حياته.

وبعد ما كان وهو طالب بكليته يسير ممسكاً بالبالطو الأبيض كي يتباهى ويتفاخر أنه طبيب أصبح يطمس معالم ما يدل على أنه طبيب. لأنه بمجرد أن يعرف أحد أنه طبيب حتى يبدأ يشكو له. فيظل الجميع يشكون له همومهم مع أنه لديه من الهموم ما لا تقوى الجبال على حملها، فلديه هموم حياتية كباقي البشر، وهموم مرضاه، وهموم دراساته العليا، وهموم مذاكرته والاطلاع على الأبحاث العلمية الجديدة، ولكن إلى من يشتكي، فلا أحد يسمع أو يعتبر لشكوى الأطباء، فليس لهم غير الله فإلى الله المشتكى.

"يُتبع"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.