المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاتن فريد Headshot

يوميات طبيبة مفروسة فى بلاد المحروسة "4".!

تم النشر: تم التحديث:

في بلادنا على الطبيب أن يُدرب بشكل خاص، فهو ليس شخصاً عادياً بل هو مناضل قوي، فيجب أن يُدرب على تلقي الضربات الموجعة وعلى كيفية اجتنابها، ويدرب أيضاً على كظم غيظه عندما يُسب أجداده وآباؤه لنقص دواء بالمستشفى ويُدرب على لباقة الرد حينما يُبلغ مدير المستشفى بنقص الإمكانيات، فيرد عليه: "هو انت فاكر نفسك فى كليفلاند كلينك، ويرد عليه بكل لُزوجة: "وأنا مالي"، وعلى تماسك أعصابه عندما يمر عليه مسؤول الجودة فى وسط كل هذه الفوضى ويسأله: أين بطاقة التعريف خاصتك؟.

ومن أسوأ لحظات الطبيب أن يكون لديه مداومة فى الاستقبال، فمهما كانت مكانة المستشفى، فهنا سيكون في مهب الريح، سيأتي عليه مريض حالته حرجة، وهو يريد أن يسعفه، ولأننا في بلاد المحروسة فالكل يعرف في الطب أكثر من الطبيب نفسه، والكل أب للمريض أكثر من أبيه نفسه، ولأنه من شروط التوجيب مع أهل المريض أن يعلو صوتك وتكيل للطبيب السباب والاتهام مع أنه يحاول أن يسعف المريض.

ومن أكثر اللحظات بؤساً وفرسة أن تطلب من أهل المريض أن يشتروا له دواء من الخارج، فتجد أن أحدهم أخذ يصرخ عن إهمال المستشفى والتقصير فيه واللامبالاة التى يتمتع بها الطبيب، وكأنه هو الذى وضع سياسة المنظومة اللاصحية.

ومن هنا فعليه أن يتمالك أعصابه ويتحكم فى توازنه وهو يعمل حتى لا يفقد مريضه، وعندما تزداد حنكته فى التخلص من أهل المريض فيطلب منهم التبرع بالدم، فتجد أحدهم يعلو صوته: "دم إيه؟ وهو المستشفى ما فيهاش دم!!" وما أن ينتهى من كلمته فتجد أن من حوله قد انسحبوا جميعاً، هذا معللاً أن لديه مرض السكري، وهذا ضغطه منخفض، وينصرف الجميع من حول المريض.

ويظل هذا الطبيب هكذا في مرمى الداخل والخارج، وستكون أسوأ لحظات حياته أن يأتي إليه مريض يحتاج إلى سرير بالمستشفى، ولا توجد أي أسرَّة بالمستشفى، فهنا ستقام له حفلة من الضرب المُوجع، ولا مانع من أخذ الطبيب رهينة حتى نجد للمريض سريراً آخر بمستشفى آخر، وتهديده طيلة الوقت بأن حالة المريض إذا ساءت سيدفع هو الثمن، وكأنه مالك المستشفى والمتحكم به، ولا تتعجب عندما يعلم المسؤولون ويتكرر أكثر من مرة دونما أى حراك، فمن أنت حتى يتم تأمينك وحراستك؟

وإمعاناً فى الفرسة ونظراً لنضال الأطباء ببلاد المحروسة محاولين رفع كفاءة الخدمة الطبية المقدمة بها، وكما هي عادة المسؤولين بها لا يسمعون ويكذبون ويدعون أننا نقدم أعلى مستوى من الخدمة الطبية، وإن سألتهم هل إذا أصابك المرض ستذهب إلى هذه المستشفيات؟ فتجد الإجابة بتباهٍ وتفاخر: لا فأنا قادر مادياً، وكأنه عقاب الفقر أن تعالج فى هذه المنظومة، ولا تندهش عندما تسمع وزيرة الصحة تستهزئ من انتقاد الأطباء للأوضاع الطبية، وتطلق لنا هذه الحكمة الكنفوشية (بدلاً من أن تلعن القطة اذهب وهشها)، ولا تتعجب إن تجوَّلت بأحد المستشفيات ووجدت شخصاً محترماً يرتدى معطفاً أبيض أو بدلة عمليات ويمسك بعصا ويركض وراء قطة ليطاردها، فهو ينفذ أوامر الوزيرة الكنفوشية، وكأن وجود القطط تتجول بالمستشفى ليس مصدراً لنقل العدوى بين أروقته، ولا تتعجب وأنت تدلف إلى أحد عنابر المرضى فتجد قطة تنام إلى جوار مريض لديه جرح حديث، ولا تندهش إن أصيب هذا المريض بتلوث ميكروبي في جرحه، وأنفق الكثير في علاجه، وكأنه لا يكفيه فقره وبؤس حياته ومرضه، بل أيضاً نزيد على فقره فقراً وعلى بؤسه بؤساً ومرضه مرضاً، ولا تنبهر إن رأيت "صرصوراً" يتبختر فى أروقة المستشفى أو وحدات العناية المركزة أو "فأراً" يطل عليك بعينيه اللئيمتين، وإن أراد المفروس أن يكون إيجابياً فيبلغ المسؤول عن مكافحة العدوى أنه وجد صرصوراً أو فأراً فتكون الإجابة الصادمة المتخطية كل حدود توقعاته أن مكافحة الصراصير والفئران لا تقع تحت طائلة أعمالهم، وعندما تسأله ألا تنقل الصراصير والفئران العدوى؟ فلا تجد إجابة.

ولا تتعجب إن عرفت أن المفروس وجد صرصوراً بطعامه المقدم من مطبخ المستشفى، وعند حديث المفروس مع إخصائية التغذية سألته: هل كان الصرصور حياً أم ميتاً؟ وهنا لا تمتلك إلا أن تبلع لسانك، أما إن تحذلقت وأردت أن تعرف سبب السؤال؟ فلو كان ميتاً فقد طبخ مع الطعام، ولو كان حياً فقد قفز للطعام بعد تحضيره، وها هم الأطباء بانتظار تصريح كنفوشى آخر من الوزيرة (بدلاً من أن تنظر لصرصور اقلع سابوهك واضربه).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.