المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاتن فريد Headshot

يوميات طبيبة مفروسة في بلاد المحروسة "8"

تم النشر: تم التحديث:

في بلاد المحروسة أكثر ما تتميز به المنظومة الصحية هو اللاسيستم، فلا يوجد رابط إلكتروني بين المشافي، ولا توجد شبكات كمبيوترية في كثير منها، بل يصل الأمر إلى أن تجد أرشيفاً ورقياً مع أننا في القرن الواحد والعشرين، على الرغم من أن المصارف ببلاد المحروسة ترتبط بشبكات إلكترونية، ويمكنك إجراء تحويلات مصرفية بين مصرف خاص وحكومي.

أما مشافينا فلا يوجد في بعض الأحيان حتى خط تليفوني تسأل فيه عن مكان بها، فلو قدر مثلاً أن مرض أحدهم وقرر نقله إلى أحد المشافي فلا عجب أن تصعد روحه إلى بارئها، وما زال أهله يبحثون عن مكان يستقبله، ولو كان سعيد الحظ ووجد مكاناً فقد لا يجد إمكانيات به، وإن وجد فقد لا يجد علاجاً به.

إما المشافي الخاصة فلا تستقبل الحالات المتأخرة حتى لا يضر ذلك بسمعتها، وتكون نسبة الوفيات بها عالية، وكثير منها يرفض وبشدة دخول أشخاص لأنهم لم يسددوا للمشفى أموالاً للتأمين عند دخولهم.

ولا تتعجب عندما لا تجد أي قانون يلزم المشافي الخاصة باستقبال المرضى وعمل الإسعافات الأولية لهم وإنقاذ حياتهم، ولا يوجد ما يدعو للدهشة عندما يفقد مئات المصريين حياتهم بهذه الطريقة، فلا يتحرك لها ساكن ولا مسؤول، ولا تسمع عن أي شيء وكأنه أمر روتيني أن يموت المرضى على أبواب المشافي، وفجأة تجد أن حملة اشتعلت للانتقاد وابتدأ الصراخ وتعالت الأصوات؛ لأن الفقيد هذه المرة سائح من بلاد الفرنجة.

وليس مدعاة للعجب في بلد تُعرف طرقاته بالاختناق المروري وشدة الازدحام، فتجد عربات الإسعاف تسير وسط الطرقات المغلقة، ولو قدّر للمفروس أن ينقل مريضاً بعربة الإسعاف فيظل طيلة الطريق يحلم ببساط علاء الدين السحري؛ ليطير قافزاً فوق كل هذه السيارات ليصل إلى هدفه وينقذ مرضاه.

ولا مجال للسؤال لماذا لا تنشأ حارات تخص عربات الإسعاف فتصل لهدفها أسرع؟ ولا توجد أي مدعاة لاندهاش عندما يعتاد شعبنا على أن الطائرات قد تخرج لنقل مشجعي الكرة أو لإسعاف السياح الأجانب، أما المرضى المحليون فلا داعي لتضخيم الأمور؛ لأننا دولة فقيرة، والبشر فيها كثر.

أما ما يحدث داخل عربة الإسعاف فهو أقرب إلى الألعاب البهلوانية، فيجد المفروس نفسه وحيداً بلا أي سند؛ لأن المسعفين في الغالب معلوماتهم عن التمريض مثل معلومات رجل الشارع.

فتجد أحدهم حاصلاً على مؤهل عالٍ من كلية الزراعة، وآخر من خدمة اجتماعية، وثالثاً من كلية حقوق، وعندما يسألون ما علاقة هذا بعملكم؟ فتكون الإجابة أنهم بلا عمل، وعملهم كمسعفين ما هو إلا مصدر دخل.

ويكون السؤال الثاني: كيف أُهلتم للوظيفة؟ لتجد أن كل معلوماته هي دورة تأهيلية من سبعة أيام عن الإسعافات الأولية، ومن ثَم أطلقوا في بلاد الله ليتعاملوا مع عباده، ولا يوجد أي قول يقال عندما ترى جهلهم في التعامل مع الأجهزة أو التعامل مع نقل المرضى لمسافات طويلة.

وما يحبط أيضاً أن هؤلاء لديهم نقص في الخبرة الطبية، فقد تجد نقصاً كبيراً في كثير من الأدوية، وحتى وإن وُجدت فقد تجد عدداً منها قد انتهى صلاحيته، وهو لا يعرف حتى ما معنى دواء منتهي الصلاحية.

أما ما يبهر حقاً أن تجد المشافي أو الوحدات الصحية على الطرق الزراعية أو الطرق السريعة ليس بها خطوط تليفونية، وليس بها أي تجهيزات لاستقبال حوادث الطرق السريعة، وليس بها حتى عربات إسعاف لنقل المصابين إلى أقرب مكان يتم إسعافهم فيه.

ولا تدري لماذا تم فتح هذا المبنى الخيالي وكتبوا عليه وحدة صحية أو مشفى، حتى يتم نقل المصابين إليه، ويقف ذلك الطبيب الذي رماه قدره بهذا المكان لا حول ولا قوة له، وكأن وظيفته أن يصب مَن مع المصاب غضبهم عليه، فهذا يسبه، وهذا يضربه، وهذا يدعو عليه، وكأنه يخفي العلاج فلا يريد أن يعطيه لأحد.

ولا تستطيع منظومتنا الصحية أن تصمد كثيراً، فلو حدثت أي كارثة بيئية أو إنسانية فتجد أعداد المصابين والموتى أضعافاً مضاعفة لما هو متوقع، وكأننا في القرون الوسطى، فليس لدينا أي خطط لنقل المرضى، أو أي خطط لتوزيع الحالات على المشافي طبقاً لإمكانيات كل مشفى.

فتوزيع الحالات يتم بطريقة عشوائية غير مدروسة، فتجد مريضاً مصاباً بنزيف في رأسه ينقل إلى مشفى ليس به جراحة مخ وأعصاب، وتكون الثواني فارقة في حياته، وما إن ينقل إلى مشفى آخر فقد يفقد حياته، أو يصاب بشلل كامل.

ولا توجد خطط لتوفير المستلزمات والأدوية للمشافي، ولا توجد أي خطط لتوفير مسارات بديلة للسيارات وعربات الإسعاف وقت الكوارث، وقد يموت أشخاص من السهل إنقاذهم طبياً؛ لعدم القدرة على الوصول لهم، بل لا يوجد ما يسمى برفع حالة الطوارئ بالبلاد لحدوث كارثة طبيعية أو كارثة بشرية، وكأن الحكومة ومسؤوليها سعدوا بقدومها لتخفيض الزيادة السكانية، ولسان حالهم: هتموت يعني هتموت يا عباس.


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.