المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاتن فريد Headshot

يوميات طبيبة مفروسة فى بلاد المحروسة "5".!

تم النشر: تم التحديث:

بمشافي بلاد المحروسة عدد لا بأس به من الكائنات تعيش وتنتعش فى جوها. ودوماً ما يشاهدها المفروس ويألفها ويتعايش معها. فلا يتعجب مثلاً إن رأى كائناً أسود يتمشى على أحد الحوائط، أو لو رآه يتنزه على حامل المحاليل، ولا ينبهرعندما يحادث فريق مكافحة العدوى ليخبره أحد أعضائه ببرود معتاد بأن مكافحة الصراصير ليس من اختصاص الفريق.

وتتجلى الكوميديا في أسمى معانيها عندما يخبره المفروس بأنه قد يتمشى الصرصور في رحلته المكوكية على الوصلة الوريدية وهنا ينقل الميكروبات الى المرضى، فيخبره بلزوجة عجيبة بأن يأتي ببخ مضاد للحشرات كي يستخدمه، وكأن هذا الحل السحري الهلامي لم يكن ليخطر بخاطره.

وطبعاً لا يهم إذا كان لديه مريض يعاني من قصور تنفسي حاد وتستخدم الى جواره مبيداً حشرياً فيزداد اختناقاً وتزداد حالته سوءاً. وطبعاً ليس أمامه إلا أن يشتري مبيداً من مرتبه الذي قد لا يتجاوز بضع جنيهات خوفاً على مرضاه ويأتي بالمبيد الحشري الذي يشمّه الصرصور فلا يزداد إلا انتعاشاً وزهواً. وقد يصاب بالاندهاش والازبهلال إذا دخل مثلاً الى أحد أماكن المستشفى ووجد رئيسة التمريض تعجن شيئاً أبيض ألا وهوعجينة الصراصير التي ستوزعها في باقي أرجاء المكان.

وعليه أن لا يفزع لو خلع معطفه ووجد هذا الكائن يخرج متبختراً، أو فتح حقيبته فوجده بها. أو وجده قد اختبأ في ملابسه وخرج في منزله، ولابد أن يتجاهل كل صيحات وتساؤلات مَن في البيت ويشاركهم اندهاشهم من أين أتى هذا الصرصور؟ وكأنه لا يعرف.

وقد تستمر المغامرات مع ساكني المشفى فتجد كائنات تتمشى بروية وسكينة تتراوح في أحجامها ما بين صغير جداً الى كبير بحجم القط. ولو كان من الجبناء لتوقف قلبه وهو يرى الفار يرقبه بعينين براقتين، وعندما يتساءل: كيف تأتي الفئران الى غرف الرعاية المركزة؟ فتكون الإجابة من السقف المعلق. وعند وجودها فعليه أن يحسن التصرف، فلو وجد فأراً يقف على جهاز فلا جدوى من مواجهته لأنه قد يقفز عليه، وإنما يغلق باب الغرفة ويبحث عمن هو أشجع منه للتعامل معهم. وتكون قمة الماسأة عندما يستيقظ من نومه على شيء يلعب برجليه فيفيق وما إن يفتح الضوء إلا ويجد الفأر ينظر اليه نظرة ساخطة كلها تحدٍّ وكبرياء.

وعليه أن يعتاد أيضاً أنه حتى بعد أن تأتي فرقة مكافحة الفئران قد يسقط عليه أحدهم بعد تجرّعه السم محتضراً مترنحاً. وكأنه يذكره بأنه كائن حي فلِمَ لا ينعش قلبه مثل مرضاه؟ وعليه أن يتحلى بالهدوء والروية عندما يسمع ركضاً كثيفاً وكأنه ضرب على الحديد، وعندما يسأل فيخبره ذوو الخبرة بأنها الفئران تلعب مع بعضها بعضاً.

وللمفروس مغامرات مثيرة مع الذباب والناموس، فلا يهتم بوجودهما لأنهما أكثر الحشرات تواجداً. ولا يخلو مكان بالمشفى من تواجدهما، فالذباب بالرعاية أو بالعمليات ليس بشيء غريب. بل إنه مألوف عندما تكون رعاية الحروق وجلود المرضى منزوعة أي خط حمايتهم الأول وتجد الذباب يقف عليها. ولا أحد يعرف بالتحديد من أين يأتي. فقد فتح أحدهم نافذة لتهوية الرعاية وهو ما يكون ممنوعاً، أو أن هناك بناية تبنى من القرب من الرعاية ولا يوجد مكان توضع به الأخشاب التي تصنع منها سقالات البناء إلا على فتحة شباك الرعاية، فيظل مفتوحاً طيلة اليوم. وهل سيقوم المفروس ببخ الذباب أم الركض وراءه ليفقعه شر فقعة ويتركها جسماً ميتاً يتغذى عليه نمل وصراصير المشفى؟

وليس من العجيب أن يعيش الطبيب لأول مرة في حياته مع حشرات صغيرة كالبرغوث والبق، فهم ينتظرونه في الساعة التي قد يختطفها ليقيموا له حفلة من القرص، فيظل يهرش كالأجرب طيلة يومه وكأنه يعاقب على هذه السويعات التي يختطفها، وتزداد هذه الكائنات انتعاشاً بمرور الوقت لأن مراتب الأسرّة لا ترى الشمس يوماً، ولا يُفتح شباك بغرفة الأطباء، ولا يهتم أحد بتنظيفها، وكأنه عليهم أن يأتوا صباحاً لينظفوا غرفهم أو يطلبوا من أحد العمال أن يسدى لهم خدمة لتنظيف الغرفة بمقابل مادي، وكأن هذه الغرفة قد سقطت من حساب غرف المشفى ونظافتها تكملية ترفيهية لأنها تخص الأطباء.

ومن هنا فقد تجتمع جماعة المفروسين مطالبة بتدريس مادة للمكافحة الحشرات بكليات الطب، وأن تشتمل على فصلٍ من مقاومة قرص البراغيث والبق وكيفية الوقاية منها.

فى هذه الحلقات لا أكتب عن مكان بعينه وإنما أكتب عن أماكن عدة، والقصص مستوحاة من الواقع، وقد تكون حدثت مع الكاتبة شخصياً أو مع أحد من الزملاء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.