المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاتن فريد Headshot

يوميات طبيبة مفروسة فى بلاد المحروسة "3".!

تم النشر: تم التحديث:

في بلاد المحروسة أرخص ما فيها أنت، أن تموت وتزهق روحك أرخص بكثير من أن تجد من يداويك أو من يُطببك، أما أرخص البشر فهم الأطباء، فالطبيب في ضياع آدميته لا يختلف عن مريضه الذي يعاني من أجل علاجه، فكونك طبيباً فلك ثلاثة خيارات لتموت بها هي: أن تلتقط عدوى، أو أن تموت نتيجة ضغط عصبي، أو أن تموت على يد بلطجي، والميتة الأخيرة هي صناعة مصرية بامتياز.

فإما أن يلتقط الطبيب عدوى تسبب له مرضاً حاداً فتزهق روحه خلال يومين أو ثلاثة، ويترك هذا المفروس أطفاله الصغار بلا أب ولا عائل، ولا حتى دخل يغنيهم عن السؤال، اللهم إلا إذا كان من أسرة غنية ميسورة الحال، وقد تكون هذه العدوى مزمنة كفيروس "سي وبي" الكبدي الوبائي، ويظل الطبيب يعاني من الكبد، ويعالج منه، ويظل يتنقل من مستشفى إلى آخر يعاني معاناة كثيرة، ويا ليته يجد مشفى محترماً يُعالَج به، فإن كان من بسطاء الحال فلا عزاء له ولا لأهله.

وقد يموت من الضغط العصبي، من ظروف معيشته المرهقة، وعدم انتظام ساعات نومه بسبب المناوبات المستمرة، وقلقه على مرضاه، ومحاولته فعل كل شيء كما هو صحيح منضبط، فيصاب بجلطة في شرايينه التاجية، ويموت موتاً مفاجئاً.

أما الميتة ذات الصناعة المصرية فهي أن تموت على أيدي بلطجية لماذا؟ لأنه في بلاد المحروسة تقف كتيبة من أربعة جنود لحراسة تمثال كالجندي المجهول طوال 24 ساعة؛ لأنه رمز، بينما لا يقف أي أمن ولا أي حراسة على باب المشفى، ولا تؤمَّن المشافي أبداً، ولا حتى يوجد بها أفراد للحراسة؛ لأنها لا يوجد بها إلا أشخاص هم أرخص مَن في هذا البلد.

بل إنه بعد كل علقة ساخنة يتلقاها السادة الأطباء، ويسب آباؤهم وصولًا لجدهم السادس عشر، تكون وسيلة نجاتهم من الضرب هي أن يخلعوا معطفهم الأبيض ويختبئوا في المشفى، حتى يهدأ الغاضبون، أما إذا قرروا الذهاب إلى قسم الشرطة لعمل محضر للمعتدين عليهم، فإن الضابط يجبرهم على التنازل عن المحضر حقناً للدماء، بحجة أن المعتدين في الغالب من أهل المنطقة، التي بها المشفى، وسيتربصون بالطبيب عند دخوله وخروجه، ولكن متى يصر الجميع على المحضر؟ يصرون عليه عندما يكون هناك جهاز مسجل برقمه المسلسل في العهدة، فهنا وجب عليهم تحرير محضر، نعم لو مات طبيب أو أصيب فلا تجد أحداً يتحرك، بينما ينتفض الجميع للجهاز؛ لأنه عهدة ومسجل برقم مسلسل.

ولعل من العجائب في هذا الجزء من الكوكب أن يأتي البلطجية ويضربوا الأطباء ويكسروا الأجهزة، فيطلب الأطباء قسم الشرطة فيأتي لهم الضابط الهمام، ولكي ينقذ الموقف بفكره العبقري يضع الكلبشات في أيديهم ويأخذهم إلى قسم الشرطة، محاولاً امتصاص غضب البلطجية الذين اعتدوا عليهم وضربوهم وكسروا أجهزة استقبال المستشفى؛ بل إمعاناً في أداء واجبه يتركهم مربوطي الأيدي مكلبشين في مرمى البلطجية الذين قد ينهالون عليهم ضرباً من كل حدب وصوب، وهم يهمون بركوب عربة الترحيلات، حتى إن أحداً منهم كُسرت يده، وآخر كُسر فكُّه.

ولأننا في بلاد المحروسة نهتم بأداء الواجب، ولا نجعل الأطباء يتوقفون عن عملهم لمثل هذه التوافه، فقد ماج وثار أعضاء النقابة، وكعادة شعب البلاد أخرج أعضاء النقابة بياناً يندد بما يحدث، ويطلب عدم تكراره مرة أخرى؛ لأن كرامة الطبيب فوق كل اعتبار.

وتم فتح المستشفى وغرفة الطوارئ؛ لأنه لا يجوز أن نغلقه أكثر من هذا، وكأننا بتنديدنا ووعيدنا ارتعد البلطجية الذين يعرفون مكان الأطباء، ولن يتعرضوا لهم مرة أخرى، وعاد ذلك المكسور بعد أن بحث عمن يعالجه ودفع من ماله الخاص على علاجه، حتى إنه لم يعطَ إجازة لراحته، فلا تتعجب إن رأيت طبيباً يتمنى أن يكون جهازاً يضاف إلى العهدة برقمه المسلسل، حتى إن أصيب يسارع جميع مَن في المستشفى لإصلاحه، أو لإثبات كسره.

لقراءة الجزء الأول من هذه التدوينة اضغط هنا
لقراءة الجزء الثاني اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.