المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة جميل الباقري Headshot

سائق التاكسي

تم النشر: تم التحديث:

لا تجسَّسْن، ولا يغتب بعضكنَّ بعضاً، لا تكذبي ولا تسخري، قدِّمي العون والمساعدة، استعيني بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، لا تنسي كتاب الله، جُعلتِ من ذاكريه في كل أَنْيٍ من آناء ليله، حافظي على...

** النداء الأخير لشركة طيران الخليج المتجهة إلى القاهرة رحلة رقم 070، على جميع المسافرين التوجه حالاً نحو البوابة.
* أعتقد أنه حان وقت الرحيل أبتاه، أعدك بكل ما طلبت، اعتنِ بنفسك.. رافقتْك السلامة في الحِل والترحال، وليكن القدير معك.

أزمة مرورية خانقة في منتصف شوارع القاهرة كالعادة، أعتقد أن دقائق الساعة تغطّ في نوم عميق، تمشي بخطىً متثاقلة موهنة، شريط من الذكريات يمر أمام ناظري، سنون سبع عجاف طوال، بحلوها ومرها، بتعبها وشقائها، اختزلتها في أول مشهدِ مغادَرة لي في المطار، أول مغامرة حقيقية بعيداً عن وصاية الأهل وحمايتهم، لا أحد سوى صديقاتي اللاتي لا تتجاوز خبرتهن في الحياة المرحلة الثانوية من المدرسة.

عظيم.. من الجلي أننا سنتوه في سرادق الحياة المدلهمة، كم هذا مثيراً! الأمر يستحق المحاولة فعلاً، نحن ذاهبون إلى جبال الأنديز، نستكشف حضارة الإنكا، أو نغوص بحثاً عن أتلانتس المفقودة، ربما نسبر أغوار غابات إفريقيا العذراء التي لم يمسسها بشر، ولكني أنا قائد الرحلة وأنا الطرزان هذه المرة..

** انظر أين تسير أيها المغفل، كدت تصدمني بغبائك!

الحلو ما بيكملش، سائق سيارة الأجرة التي أستقلّها يريد أن يثأر لكرامته التي هُدرت قبل ثوانٍ، لم يتمكن من تجاوز أسطى السيارة الآخر، لقد ارتكب خطيئة وإثماً كبيراً! والأهم من ذلك قطع الاثنان خلوتي وذكرياتي، عودة للواقع، السيارة تزحف زحفاً.. إمممم.. هل هناك في وصايا والدي ما يدعو للصبر، أعتقد أني في أمسّ الحاجة لذلك الآن..

بهدوءٍ أتصفح هاتفي الجوال، بين هذا التطبيق وذاك، بين مقال وقضية، القراءة بطلي الخارق ومنقذي وقت الأزمات، لطالما ساندتني في المناسبات الاجتماعية المملة، أو محاضرات قسم الجراحة الإلزامية..

إخفاء الهاتف الذكي وسط الكتب وإمساك الأقلام في اليد، حيلة قديمة، ولكنها لا تزال تعمل على أي حال، من المهم جداً ارتجاج الدماغ، والإذعان بالموافقة بين الفينة والأخرى، حيث إنها من مراسيم الولاء والطاعة والامتنان للبروفيسور المتفضل بالشرح لصغار الأطباء أمثالنا.

نبرة الأستاذ الدكتور ترتفع وصيحاته تتعالى: دكتورة، يا دكتورة.. وكزتني زميلتي، لم أعلم أني أنا المعنيّة، انتصبت واقفةً، أحسست بالدم المخنوق في مجرى عروقي، هرمون الأدرينالين يتسابق، يريد أن يبلغ أم رأسي، توردت وجْنتاي، واحتقنت مقلتي واتسعت، هذا الجسم المعدّ بإتقان معدٌّ الآن لمواجهة المخاطر والخطوب.

** أراكِ منشغلةً في غير درسكِ، ومهتمة بغيرِ طبيبك، أنتم يا معشر الحداثة، ما لي أراكم تتكالبون على هذه التكنولوجيا البذيئة تكالبَ الظباء على خِراش، وتتركون ما ينفعكم؟!
* خِراش، فراش، اطردني يا دكتور وكفى!

** قولي لي ما أعراض خمول الغدة الدرقية، واذهبي فإنك طليقة!
* نعم دكتور: وزن زائد رغم انسداد الشهية، الشعور الدائم بالخمول والبرد، إمساك مزمن، ارتفاع مستوى الدهون ونسبة الإصابة بالجلطات، الأنيما، و..

** جيدٌ جداً، ولكن كوني أكثر انتباهاً في المرة القادمة..
* دكتور، أنا مع حضرتك، كنت مشغولة بتدوين ملاحظاتك وشروحاتك القيّمة في أحد التطبيقات!
** لطيف جداً (قالها بفخر وزهوّ)، يرحم أيام زمان، الظاهر أن زمن الكشكول ولى إلى غير رجعة، ولكني عند رأيي: أنتم جيل فاسد تغريه المظاهر البراقة!

* ومن قال إن رأيكَ يهمني؟! دوغمائي متحجر.
** ماذا قلتِ يا دكتورة؟!
* أبداً يا دكتور، ومنكم نستفيد، هل لي بالجلوس؟
عذراً أبي، يبدو أن في الكذب منجاةً أحياناً!

نصف ساعة مضت، ذكريات كثيرة، وأفكار متزاحمة، ومقالات مركونة، لا يحالفني الحظ في قراءتها بكل محاضرة مملة.. إذاً، هذا هو الوقت الأمثل للقراءة، حيث لا محاضر يمنعني، ولا بروفيسور ينهرني، انسلخت في عالمي الخاص، غير مدركة لما حولي، في الحروف والكلمات سلواني ومتعتي.

اتصال هاتفي وَرَدَ للسائق، يبدو أنه قلِق خائف، توسلات خافتة.. ولكن لا يهمني، يمكن أن يكون شأناً عائلياً، أو جنايةً محرّمةً يحاول التملص منها برشوة أحد المسؤولين، هذا واردٌ ومعتادٌ وليس بالأمر الغريب.
أبي يقول: ولا تجسسي.

طالت مكالمة الرجل، رفع بنانه وأشار إلى السماء يطلب معونة، غلبته دموعه، فلم أتمالك نفسي، ركزت بكل حواسي علّني أكون سبباً في فكّ كربته.

** ولكن يا دكتور، ما العمل؟ هل أتركها تموت، من أجل كيس من الدم! اسمعني يا دكتور، إن فصيلة دمها نادرة، لا توجد في المستشفى، يتوجب عليّ دفع مبلغ 150 جنيهاً لقاء هذا الكيس، من أين لي؟! يا دكتور، أرجوك ساعدني.

لا فلوس، لا علاج، هذا هو الحال، لكم الله يا فقراء..
أغلق الهاتف وأجهش بالبكاء، اتصل بزوجته وفي قلبه غصة، وقال لها: يا أم مريم، ادعي لابنتك وادعي الله أن يرزقني من فضله، عسى الله أن يكتب لها عمراً.

** عفواً، ابنتك مريضة؟
لم أرَ انكساراً في عين بشر أكثر من انكسار أب لا يملك شروى نقير، يسعى في أمر أبنائه فلا يقدر.

أجابني بصوت حزين: أيوه يا فندم.. عندها سنتين بس، عندها عيب خلقي في قلبها ومحتاجة عملية، والدكتور عايز دم والمستشفى مش بتوفره عشان غالي ونادر، مش موجود إلا في مركز المصل واللقاح.

يا إلهي! جلت قدرتك، لا تنسى عبداً من عبادك، يا لهذا التدبير المعجز!
منذ فترة قريبة جمعنا تبرعات بسيطة لصالح مستشفى الأطفال الجامعي، حيث تنقصه الكثير من الإمكانات والأجهزة، وأنيط بي مسؤولية أخذها والتبرع بها، ولكني كنت أسوّف مراراً وتكراراً، متجاهلةً بابا حين يقول لي: لا تؤجلي عملك إلى غد.
الحمد لله حمداً كثيراً، بإمكاني إعطائه الجنيهات المطلوبة وآخذ المبلغ المتبقي للمستشفى.

** عمي، ثق بالله العظيم، لا تدري لعله يحدِث لك أمراً.
* ونعْم بالله، ادعي لها يا فندم.
** عمي تفضل، هذا هو المبلغ المطلوب.
* ما هذا! ماذا تفعلين؟
** ألست بحاجة لكيس دم؟ اذهب.. ابنتك بانتظارك.

فرك عينيه بكلتا يديه، مدهوشاً غير مصدقٍ، ضحك وقال لي: جبر الله بخاطرك وأبعد عنك أولاد الحرام، ولكن لِم؟!

** ببساطة، لأني طبيبة، وأعرف الوضع في المستشفى وقوانينه التعسفية التي ما أنزل الله بها من سلطان، وكأن المرضى لا يكفيهم مرضهم وعوَزهم!
* أبعد الله عنك شر المرض ورزقك الخير الكثير.

أرى في عينيه دموع الفرح هذه المرة، بسرعة خاطفة تناول هاتفه واتصل بزوجته:
اسمعي.. نص ساعة وأكون عندك، بلّغي الجراح ما يلغيش العملية هكون عندك ومعايا كيس الدم.

أستطيع سماع نحيب زوجته باستغراب..
** بقولك يا ولية، ربنا بعت ليا دكتورة بنت حلال سمعت تليفوني مع الدكتور وصعبت عليها مريم جداً وتبرعت ليا بالمبلغ.

زغاريد الزوجة وضحكات الزوج جعلتني أنسى الزحمة الملعونة، أحسست بالوقت ينصرم سريعاً، وصلت لوجهتي أخيراً، نزلت ومددت يدي لحقيبتي أريد أن أعطيه أجرة فرفض، رميتها على المقعد الأمامي ونزلت مسرعة، فتح الباب وسجد وشكر وودَّعني بدعاء..

حقاً، أي قيمة لحياة تعيشها وكيس دم بجنيهات معدودة يحول بين الموت وطفلك!

سلمت جواز السفر للموظف، ختمه، تمنى لي رحلة موفقة، ابتسمت له مودعة..
اتصلت بوالدي: بابا سأتجسس وأؤجل عملي إلى بعد غد!
ضحك أبي وقال: ماذا تهذين؟

** هذا هو النداء الأخير لشركة طيران الخليج، الرحلة رقم 073 والمتجهة لمملكة البحرين، على جميع المسافرين التوجه للبوابة.
* سمعتَ يا بابا، إنه النداء الأخير حيث لا عودة نهائياً، كأنه حلم جميل وانقضى.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.