المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فاطمة جميل الباقري Headshot

جدَّتي الطبيبة

تم النشر: تم التحديث:

أمسكت جدتي يدي وجذبتهما بقوة، قربتني من حجرها، شمتني كعاتها، اتخذت من وجنتي كعبة أسرفت في تقبيلها، ومن رأسي رفات ضريح مقدس، تمسح عليه بكفيها المجعدين، مغمضة العينين هادئة، تترنم بآيات قرآنية وصلوات وأهازيج، تنم عن عشق، أيما عشق، تراقص شفتيها المتناغم أوحى لي بأنها قد ظفرت بضالتها، أي حنان هذا، وأي محبة راقية تلك؟! تالله إنها أقر لعيني من رقدة الوسنان، وأثلج لصدري من شربة الظمآن!

ما كل هذه الهالة المقدسة التي أحاطتني بها جدتي؟ وما كل هذه الطقوس المعقدة؟ لوهلة خُيّل إليَّ أنها ستضحي لي بأضحية، وتقدم لي قرباناً كما كهنة معبد آمون المخلصين!

مزيج من مشاعر مختلطة، لم أحط بكنه معرفتها هنيهة، ولكن مهلاً، هو ذا الحب العذري الذي عنه يتشدقون! يا لَفرط جماله وروعته!

ما كنت أقوى على المقاومة، أسدلت جفوني بجموح ورغبة في النوم ملحة، وارتميت على صدرها تناغيني وتحادثني، ذلك هو اللامحدود من السعادة، وتلكم هي الراحة البالغة، طوقتني بذراعيها قبّلت ما بين عيني فبادلتها بالمثل، كنشوة الرضيع الذي يلتقم ثدي أمه، يطلب سعادة ورضا لا غاية لعددهما ولا منتهى لأمدهما، فلا يبلغهما، هكذا أحسست!

طال سفرك حبيبتي، هل آن لهذه السنين السبع أن تنقضي وتفنى؟ هل لكِ في أرض الكنانة مطلبٌ وغايةٌ بعد؟

ابتسمتُ وأشرت لها بأن لا، اطمئني يا جدتي الحنونة، المرحلة الابتدائية من رحلة الطب انتهت، ولكني لا أعدك بأني لن أسافر في المستقبل، الطب عالم لا نهاية له ولا أجل.

امتعضت جدتي كثيراً، قطبت حاجبيها بتجهم واسترسلت قائلة: دعنا لا نفكر بالمستقبل كثيراً عزيزتي، فلتعيشي أيامك لحظة بلحظة، اعقليها وتوكلي، هناك رب قيوم، لا تأخذه سِنة ولا نوم، ما خاب من اتخذه وكيلاً!

ضحكتُ في سرور، جدتي أين كلامك عن أهمية المستقبل؟ أين كلامك عن أهمية العلم والتعلم؟ ألست من قلت لي حينها: "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ"؟

نعم، وليكن، لا تخلطي الأمور حبيبتي، إثبات حقيقة لا ينفي حقيقة مسلّمةً أخرى، ولكل حادث حديث.

يا له من تكتيك رائع، قلت في سري إن جدتي بارعة أيما براعة، تجيد التملص من الأمور، هذا الشعر الأشيب لم يأتِ من فراغ!

وأردفت قائلة: حبيبتي، إن بعيني سقماً لا يبرأ، وعلةً لا تهدأ، مقلتي متحجرة لا تكلأ، وأنت من أهل الطبابة والتداوي، فهلّا أفتيتني في أمري، فإني حائرة؟

مسكينة جدتي، هي بالتأكيد لا تعلم أن ست سنوات ونيّفاً تعادل مستوى الحضانة في مشوار الطب، وأن الأمر يحتاج لأعوام طوال من الخبرة والتدريب والدراسة والتخصص حتى يصبح الطبيب المعالج قادراً على تشخيص حالة! نعم فالأمر ليس بهذه السهولة البتة، أوليس الطبيب في علوم الأولين يسمى حكيماً؟!

اسمعي يا ابنتي فاطمة، قبل أربعين عاماً وأكثر لم نكن لنقصد المستشفيات والمستوصفات بكثرة، إن زماننا غير هذا الذي تعيشونه، حياتنا كانت بسيطة مقفرة، إذا اشتكى المرء من عينه قصد تلك العجوز، إذ إن لسانها له طاقة شفائية عجيبة! لم أستطع إخفاء دهشتي، فتساءلت: لسانها، ما هذا التخريف أيعقل هذا؟ أطبقت يدها وضمّتها إلى جناحها تطلب دفئاً ثم رفعتها لتغطي فمها لتسعل وتستأنف، كالمحارب الشرس، لا يدخل حرباً ضروساً إلا ليخرج منتصراً متباهياً، ثم ماذا يا جدتي؟ نعم هذه المرأة تلحس عين كل مصاب كالضفدع المنقض على فريسته بشهية فتستخرج منها الحصى والداء! لم أضحك في حياتي كهذه المرة، هل أنا أمام أساطير يونانية قديمة، أو ضرب من ضروب الميتافيزيقيا؟! الله أعلم.

لست لكلامي بمصدقة، هاه؟ تساءلت جدتي بريبة وشك جلّي، بإمكانك أن تسألي عمك؟

ماما، هل أنت متأكدة؟ إنها فرصتك الأخيرة في التراجع قبل الفضيحة، رفعت كفها بخيلاء وكلها تحدٍّ وأومأت لي بأن تفضلي.

عمي رجل ناجح وأكاديمي بارع، له صولات وجولات، يبرع في الرياضيات وفي علوم الحاسوب، سألته وكلي ثقة في دحضه لتخاريف جدتي، ولكن صدمتي كانت عندما استوى في جلسته، ووضع فنجان القهوة من يده، وقال لي: تخيلي ذلك، عندما رمدت عيني وتوطنها الحصى والتراب لم يكن شفائي إلا على يد هذه المرأة الحرباء، لقد جعلت كل لسانها في مقلتي ولحست عيني واستخرجت به كل حصية صغيرة فبرأت، ثم أطلق ضحكة هستيرية، تظاهرت بالضحك، ولكن الاستغراب يكاد يشل عقلي، ويخدر أطرافي!

جدتي تقهقه، أرى في عينيها نشوة الانتصار ولذة الفوز، ربتت على كتفي وقالت لي يا ابنتي: يضع سره في أضعف خلقه!

ابنتي فاطمة: هل لك أن تفحصي قدمي، أحس بوخز وأعتقد..

أنا مقاطعة: آه لا، مجدداً؟؟

هل أخبرتك بجارنا المرّاخ (المراخة مهنة قديمة في البحرين كالمساج في وقتنا الحالي) لديه يدان شافتيان كالسحر.

جدتي أرجوك، والله العظيم اكتفيت من هذا الهراء، تفضلي هذا كوب فاتر من الماء، وهذه أدويتك تناوليها، قد حان موعدها.

قبلتها قبلة الوداع ولسان حالي يقول: سلام عليك أيها الطب، قد وأدوك في مهدك، سلام على علومك يا أرض الكنانة!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.