المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. فريد أبو ضهير  Headshot

الثورة والمخرج

تم النشر: تم التحديث:

لا أنكر أنني كنت، وما زلت، من المؤمنين بضرورة التغيير في العالم العربي في ظل النظام الاستبدادي الذي ساد عشرات السنين، حتى انطلاق الثورة التونسية. ولم أشكك لحظة واحدة بأن الأنظمة السلطوية لا يمكن أن تترك حيز السلطة شاغرًا عن طواعية، لتملأه الجماهير بإرادتها الحرة. وكان شبح سيناريو الثورة والصراع المرير قائمًا أمام ناظري كل من قرأ الواقع بعيون التاريخ والنقد المجرد.

واستمر تأييد الثورات من قبل كل من أدرك حقيقة الصراع، وفهم أبعاد التغيير الجاري في الوقت الراهن. ورغم أن جيل الشباب لم يستوعب ما يجري، وانساق إلى اتهام الثورات بالعمالة لأمريكا، إلا إن الأحداث وحدها من شأنها أن تثبت أن الثورات العربية هي مرحلة تاريخية طبيعية تحدث في أي مجتمع عاش طويلًا في ظل نظام سلطوي، ودفع ثمنًا باهظًا لتلك السلطوية.

لقد كانت لحظة انهيار "بن علي" و"مبارك"، ثم "القذافي" لحظة رومانسية في مسار الثورات العربية، حتى ظن الجميع أن التغيير يتم على طبق من ذهب، وأن مرحلة "شهر العسل" هي المرحلة القادمة بالنسبة للشعوب التي ثارت في تلك الدول. ولكن هل بالفعل يمكن أن يكتب التاريخ سطورًا قليلة عن هذه الثورات؟

لقد عملت قوى كثيرة في الخفاء وفي العلن على إسقاط الثورات، وعلى "قلب ظهر المجنّ" لكي تعود عقارب الساعة للوراء. لدرجة أن هناك من رأى أن تدمير بلد بأكمله أفضل من سقوط نظام وانتصار ثورة. ويتكرر المشهد في أكثر من بقعة من عالمنا العربي.
والمتأمل للمشهد، يرى أن هناك نقطة مركزية دارت حولها الأحداث، في وجه الهبات الشعبية، وهي مصلحة إسرائيل، ومصلحة أمريكا، ومصالح الطبقات التي كانت "تحلب" الشعوب وتنهب أموالها وخيراتها. هذه القوى اجتمعت لكي تقلب المعادلة، وتُقنع الشعوب أن الوضع الذي كان قائمًا قبل الثورات هو أفضل ألف مرة من وقوع الدول في قبضة "الإرهابيين"، أو "عملاء أمريكا"، أو سمهم ما شئت.

وبالفعل، نجحت هذه المحاولات، ولكن إلى حين. فما يحدث الآن في الدول العربية "الثائرة" هي مرحلة، ومشهد واحد فقط. والعبرة تكون في المشهد الأخير.

ما أردت قوله في هذه السطور هو أن الصراع المستمر، والدموي بطبيعة الحال، ما هو إلا نتيجة تخلف ثقافي موجود لدى القوى السياسية، سواء كانت الأنظمة، أو حتى المعارضة. ربما لا يُعجب كلامي بعض الناس، من الجانبين. ولكن الفكرة هي أن الثورة التي لا تستطيع إسقاط النظام، عليها أن تبحث عن بدائل. وفي المقابل، فإن النظام الذي لا يستطيع أن يتصدى للثورة، فعليه أن يجد مخرجًا، وإلا كانت النتيجة تدمير البلد. وهذا بالضبط ما يحدث.

من المستفيد من تدمير سوريا؟ ومصر؟ واليمن؟ وليبيا؟
من المهم أن نتوقف عند هذا السؤال.
ولكن السؤال الأهم برأيي هو: هل يمكن حسم المعركة بالقوة؟
إذا كان الجواب لا، فلماذا لا يقودنا تفكيرنا إلى البحث عن البديل؟
أما إذا كان الجواب نعم، فكم من الوقت علينا أن ننتظر لكي نحسم الصراع؟
هل بالإمكان أن نقلل الخسائر؟ ونختصر الوقت؟ ونوقف النزيف؟ ونضع حدًّا لتدمير البلاد؟

إن كل شخص يقف على رأس هرم سياسي، سواء حاكم أو حزب، يتحمل مسؤولية الإجابة عن هذه الأسئلة. وإذا لم يتم ذلك، فإن الشعوب ستقول كلمتها في نهاية المطاف. وعندها، سيدفع كثيرون ثمنًا باهظًا لما اقترفته أيديهم من جرائم بحق الإنسان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع