المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فارس هلال Headshot

خيول الشطرنج.. شطر الأبيض والأسود

تم النشر: تم التحديث:

يذكر أن كلمة "شِطرَنج" العربية مشتقة من كلمة "شطرنجا" الهندية، وهي عبارة عن مقطعين (chatur)، ومعناها أربعة، (anga) ومعناها جزء من الجيش، فيكون معنى كلمة شطرنج أجزاء الجيش الأربعة، لكن بالعدّ المنطقي لأجزاء الشطرنج الرئيسية نجد أن جيش الشطرنج الكامل مكون من ستة أجزاء، وليس أربعة هي: (ملك - وزير - فيل - حصان - طابية - بيدق)، إذن المعنى لا ينطبق مع المرادف العددي.

وإذا تمت ترجمة المقطعين Chatur Anga إلى اللغة الإنكليزية نجد المعنى Clever Horn أي القرن الذكي أو بتعبير مجازي آخر "قرن الفيل الذكي"، وأيضا إذا تمت ترجمة كل كلمة بالإنكليزية على حدة نجد Chatur بالهندية تعني Clever أي ذكي، وAnga بالهندية تعني Organ، أي عضو أو جزء حيوي.

لكن في اللغة السنسكريتية، وهي إحدى الاثنتين وعشرين لغة رسمية للهند: Chatur anga تعني حرفياً: catur anga، أي الأجزاء الأربعة، وهذا يعني "وجود أربعة أجزاء catur" - وanga في الشعر الملحمي غالباً ما تعني "الجيش"، وهو اسم يأتي من تشكيل المعركة المذكورة في ملحمة ماهابهاراتا الهندية، في إشارة إلى أربع فِرَق من الجيش، وهي الفيل والطابية والحصان والبيدق.

غير أن البعض يرمي إلى أن أصل الكلمة "شطرنج" فارسي ومعناها الحيلة.

* لكن يبدو أننا سنتفق جميعاً في نوعية المرادف لأصل التسمية على أنها لعبة "الجيش الذكي"، فلكل جزء من جيش الشطرنج ذكاؤه الخاص وفق أصول وقواعد خطة اللعبة.

ويذكر أن العديد من البلاد تدّعي أنها مخترعة اللعبة في شكل من أشكالها، ولكن لا يُعرف على وجه الدقة أين كان منشأ هذه اللعبة، وكان من أكثر الآراء رواجاً قبل ذلك أنها نشأت في الهند، وأنها تولدت من لعبة الشاطرونجا التي يبدو أنها اخترعت في القرن السادس ق.م.

ومن المؤرخين من يرد أصولها إلى أيام الفراعنة؛ حيث عثر في مقبرة توت عنخ آمون على رقعة شطرنج معها قطع لعب، كما يردّ البعض نشأتها إلى الصين أيام الحاكم هان شنخ، عندما كانت قواته محاصرة من قبل قوات العدو عام (174. ق. م)، وقد اختلفت الروايات في معرفة أصل هذه اللعبة وتاريخها إلى الآن، على أن العلماء المعاصرين يجزمون بأن الشطرنج هو اختراع هندي اخترعه شخص هندي الأصل يدعى (شانو نانا في).

ولقد ذكر أبو العباس اليعقوبي أن فضائل الهند ثلاث: الشطرنج، وكليلة ودمنة، وتسعة أحرف تجمع الحساب.
حيث حظيت لعبة الشطرنج باهتمام رفيع في تاريخ العرب، حينما انتشرت في عهد العباسيين وفي الأندلس، ومن الخلفاء العباسيين الذين كان لهم اهتمام كبير بلعبة الشطرنج الخليفة المأمون، الذي قال شعراً مرموقاً في وصف الشطرنج:
أرض مربّعة حمراء من أدَمٍ ** ما بين ألفين موصوفين بالكرم
تذاكرا الحرب فاحتالا لها شبهاً ** من غير أن يسعيا فيها بسفك دمِ
هذا يُغير على هذا وذاك على ** هذا يُغير وعينُ الحرب لم تنم
فانظر إلى الخيل قد جاشت بمعركةٍ ** في عسكرين بلا طبلٍ ولا علم


هنا يكمن مربط الفرس لفرسان خيول الشطرنج.. شطر الأبيض والأسود


خيول الشطرنج أهم القطع المحورية في تحقيق الفوز على الخصم؛ حيث يمتاز الحصان دون غيره من القطع بقدرته على التجاوز والقفز أعلى القطع الأخرى التي تعترض حركته، وبفضل هذه الميزة يعـد القطعة الوحيدة القادرة على تنفيذ موت الخنق من خلال معادلة رياضية فريدة من نوعها من خلال نظرية "المسار المغلق" لدورة الحصان، كمـا يعتبر الحصـان القطعة الوحيدة التي لم تتغير طريقة حركتها عبر الزمـن خلال تطور اللعبة، فمن بين ملايين الحلول الرياضية يؤكد الخبراء وجود 122 مليون حل فقط للحالات التي تكون فيها خانة البدء هي خانة النهاية ويسمى كل منها بالمسار المغلق؛ لذا تعد مسألة الحصان حالة خاصة من المسارات الهاملتونية في نظرية خطط الشطرنج.

فريقان من الأبيض والأسود في معركة هادئة، قوتهما في ذكاء العقل وهو إيمان القلب، خطط واحتمالات ومناورات الكر والفر، وانتصارات نوعية ومحورية، بالتأكيد هناك خطط كثيرة ناجحة للشطرنج أشهرها خطة نابليون.

لكن أسلوب "حَمل ملحِ في حُلمِ لمح البصر"، فلا ترى منه غير دموع فرحة النصر، لا يحترفه غير فرسان الشطرنج المتميزون.. عنصر المباغتة هو أهم خطوة في إرباك الخصم وتحقيق النصر المؤزّر.. فمن الممكن أن تكون حكمة لوني رقعة الشطرنج، شطري الأبيض والأسود يعبران عن ترقب ميعاد بزوغ قمر وشمس النصر بين الليل والنهار، بين الواقع والخيال، بين الصواب والخطأ، مرادفات عدة تأخذنا لفكرة لوني الحقيقة المجردة.. تَعلم الشطرنج تحظى بحكمة الصبر وفضيلة مكارم الأخلاق.

فلا بين بين.. كنعامة الرمل الواجفة تخبئ رأسها في الرمال وجسدها ظاهر للعيان.. لابد أن نحسب في أذهاننا ألا نكشف قطع الشطرنج للخصم فتقعد ملوماً محسوراً.. لا بد وأن تكون كالأسد الجسور أو كالخيل الغيور، عليك أن تؤمن عرينك بكل مقومات النصر حتى آخر لحظة حتى وإن كانت النتيجة هدنة التعادل، القتال الفكري أكثر قوة وحكمة من قتال الأجساد، انتصار الفكرة هو إحياء لإيمان القلوب، هو مبدأ السلام، ولم لا؟! ففي واقع الحياة معارك القتال أشرس وأشد وطأة على البشرية من معارك الشطرنج.

تعالوا إلى خيول الشطرنج.. شطر الأبيض والأسود .. في منازلة فكرية وثقافية بدلاً من الخوض في معارك دموية.. في أوقات "تشارلز ديكنز" العصيبة Hard Times.. وقت حاولت "سيسيليا"، بنت المهرج، رسم لوحة السعادة لمن حولها، حين كانت أفكارها مرفوضة بالمرة، ولكن بعد تشاطر أحداث القصة أصبحت أفكار "سيسيليا" التي تمزج بين الواقع والخيال والأحلام هي التي يؤخذ بها في عين الاعتبار.

(سادات السادس من أكتوبر/تشرين الأول، نصر أنجز في ست ساعات، فكان خير أسلوب لخطة حرب في ست سنوات، حينها تحقق نصر وسلام! محاكاة لرسم دافنشي سداسي الرقعة في سقف لوحة العشاء الأخير L'Ultima Cena!
أو كما قال شيخ المجاهدين عمر المختار: "نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت" كذلك فرسان خيول الشطرنج؛ شطر الأبيض والأسود دائماً)."et c'est la Vie "

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.