المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فارس هلال Headshot

أنشودة عَلَم.. قصة صوت رايات العرب

تم النشر: تم التحديث:

خفقان قلبي تتزايد دقاته، وأنا أرتجف شجاعة وقوة لا خوفاً، أعلو في السماء مرفرفاً خفاقاً، حينما أمسكني ذلك الجندي وهو يعطيني قُبلة الولاء والطاعة، يوثقني بحبل الاعتصام والمجد، لحظات تمر عليَّ وأنا أفكر كيف سأبقى صامداً ضد الرياح والأمطار والأعاصير والحروب، هل سأخذله أم سأنصره؟!
لا شك أن جميعكم تعرفونني وتمتثلون لي بالولاء والطاعة، وحينما أعلو فوق السارية خفاقاً معتداً برياح الفخر والكبرياء، تتسابق الأنظار إلى نحو آفاق السماء، أخطف العقول والقلوب والأبصار.

أنا الراية ولي ألف حكاية ورواية، ويسمونني عَلماً ومن العلم والعمل ما قتل، أحياناً يرفعونني فوق أراضٍ مشروعة، وتارة على أراض أخرى مسلوبة، وأنا لا أبالي، فتلك حياتي المرغمة،

اسمي عَلم وكأني عَلم لمعَ في عِلم العمل، عِلمُ العمل أكاد لا أتقنه، فأنا مجرد رمز يحاكي بي البشر أمجادهم وانتصاراتهم، ومن ثم يتركون العمل ويتمسكون بي كمجرد عَلَم بلا عمل.

ذكرني التاريخ بقصص النصر، وتغنت بي الأناشيد ولا يعرف أحد حكايتي، فقد قالوا إن فكرة رفعي راية وعلماً انتشرت قديماً في بلاد الهند والصين؛ حيث ولدت كوميض فكرة، وقديماً خلال العصور الوسطى، كنت دليلاً لتميز هوية أفراد طبقات النبلاء والمدن، وطوائف العبادة الدينية، وأيضاً استخدمت بداية في المعارك كمجرد شعار لتمييز الفرق والجنود، وبمرور الزمن تفرقت سلالتي بين البلدان خلال المعارك والحروب ومن خلال التبادلات والزيارات الاجتماعية والتجارية في وقت السلم، لكن تاريخ ولادتي تحديداً لا يكاد يذكر رغم أن حياة الأمم والشعوب أصبحت تتوقف على بقائي صامداً حياً.

أما عن تاريخي العربي الحديث، يحكي أحدهم أن بعض الشباب المنتمي إلى المنتدى الأدبي العربي الذي تأسس في الأستانا قد صمم راية تمثل القومية العربية عام 1909 تتألف من أربعة ألوان: الأبيض، والأسود، والأخضر، والأحمر، ونقشوا عليَّ بيت الشعر الشهير للعراقي صفي الدين الحلي: "بيض صنائعنا، سود وقائعنا، خُضر مرابعنا، حمر مواضينا".

تدرجت في المناصب بكل الألوان بين أعلام الدول العربية، فكان من سلالتي أعلام الهلال والنجمة، والأعلام المبنية على العلم الأحمر، الذي ميز الدول العربية الواقعة على الخليج العربي، وحتى علم الثورة العربية الذي يرجع إلى فترة الحرب العالمية الأولى الذي رفعه شريف مكة حسين بن علي، حتى أصبحت على صوري المتباينة بكل الألوان والمعاني والصفات.

ومما حفظ سلالتي عربياً وساندني طوال سنين مضت وحتى الآن كوني علم تونس ذا اللون الأحمر، محتفظاً بتاريخ الأجداد من آخر علم للدولة العثمانية، الذي قرر حسين باي الثاني استخدامي وتفعيلي كعلم رسمي سنة 1831 وحتى عصرنا الحالي في 14 يناير/كانون الثاني 2011 حين أصبحت رمزاً خالداً للتغير الجيوسياسي عربياً وعالمياً، ولعلي أكون قد حققت إنجازاً تاريخياً.

وحينما يراني أحد في موطني الأصلي في مناسبة أو موكب رسمي، أو حتى في نظرة خاطفة، يعتري البعض شعور الوطنية والفداء، وآخرون من الغرباء يعتريهم شعور الخيبة. هكذا أنا أحاكي تاريخ الأمم، أحكم وأتحكم في مصير الأمم والشعوب بلا كرسي رئاسي، ولا يعرف أحد معاناتي على الرغم من سمو وشرف لقبي بين دفاع وقتال وسلام.

إلا أنني لا أغدو سعيداً بهذا العمل، فأنا مجرد قطعة قماش فاخرة ملونة بألوان ورموز متآلفة من القوة والعدالة والحرب والسلام، وتكاد تكون مجرد إرهاصات وتعبيرات خيالية.

في زمن من الأزمان رفعني أحد الجنود في معركة عربية مصيرية على أرض سيناء المباركة، وكان جزاؤه الموت فداء لي، هؤلاء هم حقاً من دافعوا عني وعن أفكاري الوطنية الواقعية، لكن مع مرور الزمن وتغير التاريخ نسيني الكثير، بل أكاد أكون مجرد نسيج قماش فاخر يستعرضون به طابور حرس الشرف في المناسبات الرسمية.

وبعد كفاح ونضال.. بعدما مرّ عليّ زمان طويل على ابتكاري اكتشفت أنني لا بد أن يكون لي رفيق وأنيس، بادرتني فكرة أنشودة غنائية تساندني وتؤازرني، ألهمت الشعراء والملحنين ليتنافسوا في نظم قصائد العزة والكرامة، كل بلد فيها قريب لي من الرايات والأعلام أصبح له رفيقه المناسب، أصبحنا أقوى سلالة متماسكة، أصبحت أنشودة علم رغماً عني فأمجد الملوك والزعماء وقليلاً ما أمجد الوطن والشعوب.

في الماضي القريب بدأت معي قصة نضال الأنشودة العربية المستقلة، وكانت بداية أول نشيد عربي وطني، وليس ملكياً "على الإله القوي الاعتماد.. بالنظام والعمل والاتحاد"، وتوالت الهتافات والأناشيد في وقت الهزيمة والانكسار لشحذ الهمم وتحفيز الشعوب فكان "والله زمان يا سلاحي اشتقت لك في كفاحي، انطق وقول أنا صاحي يا حرب والله زمان"، ونشيد النصر "الله أكبر فوق كيد المعتدي"، وأكثرهم إلهاماً وحماساً كان رفيق دربي أنشودة " بسم الله، الله أكبر، بسم الله، بسم الله".

وامتداداً للأنشودة العربية "صورة.. كلنا كده عايزين صورة"، كانت الكلمة تعني نفسها فقط والصورة تعني ألف ألف كلمة.
وعلى الرغم من كوني صورة متعددة الكلمات حسب عقيدة ومنهج كل فترة من الزمان، تأتي الثورات العربية معلنة عودة جديدة لبعض سلالة الرايات القديمة، محاولة أن تقضي على بعض آثار من الماضي السحيق، بعضهم رجع بي إلى حنين الماضي، والآخر ظل راسخاً متماسكاً، وعلى الرغم مما مر عليَّ من أحداث وحروب وثورات أبقى أنشودة علم يتغنى بها التواقون لصوت الحرية.

فلا نامت أعين الجبناء إن لم تعد أمجاد العرب لأصبح حقاً أنشودة صوت رايات العرب لأجل عهد جديد من العزة والكرامة، فلا عِلم أو عَلم بلا عمل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.