المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فالح الرويلي Headshot

لقاء سخيف!

تم النشر: تم التحديث:

حينما دُعيت مؤخراً للقاء تلفزيوني عن التطرف، قدمت رؤيتي للمحاور والتي ظننت أنها جديرة بالطرح؛ إذ كان البرنامج يريد مخاطبة الجمهور العام، ثم عند بدء البرنامج كان الوضع مخيباً للآمال؛ لأن المحاور التي طُرِقت محاور عامة لا تخرج عن كونها تمهيدية.

وكانت الخيبة أكبر حينما حاول أحد الضيوف الذين شاركوني اللقاء التشكيك في حوادث تجويع حصلت فعلياً بشهادة الأمم المتحدة، وهي موثقة؛ بحجة أنها أخبار غير صحيحة، الهدف منها تجييش الشباب والتأثير عليهم عاطفياً؛ والنتيجة كانت أننا كمن صحنا بالناس: هناك نارٌ مُحرقة حرارتها عالية.. ثم سكتنا! فلم نخبرهم بأي معلومات مفيدة.

وكانت الخلاصة التي توصلت إليها، أني سأمتنع عن المشاركة في أي استضافات تلفزيونية مستقبلاً ما لم أكن طرفاً رئيساً في إعداد مَحاورها، مع ضمان التمكن من إيصال الرسالة كاملة غير منقوصة، وهذا أمر عسير.

ولنا أن نتصور حجم الأزمة حينما نعرف أن غالب البرامج التلفزيونية تطرح القضايا الشائكة بنوع من الاستعراضية، وكثير من السطحية، وهي تظن أنها تحسن عملاً..! رغم أنها -ولو حرصت- لن تتمكن من الوصول إلى الشرائح الشبابية المستهدفة؛ بسبب أنها فعلياً محجوبة في أقمار عقولهم و"ريسيفرات" عواطفهم.

هذا فضلاً عن كمّ السخرية الساذجة التي تحاول النيل من أفكار التطرف، أو حتى دروس الوعظ التي تحاول تأكيد عظم رحمة الإسلام ورقَّته ودلاله ونعومته! كل هذه المحاولات محاولة لصبغ السماء، أو تبليط البحر، أو إدخال جَمَل في سمّ الخياط!

لأن الأمر يجب أن يبدأ بتغيير المواقف العقلية، وتعليم الآخرين الكيفية الصحيحة لاستخدام عقولهم، يقول أحد الفلاسفة: "إن أعظم اكتشاف في عصر جيلي هو أن البشر بإمكانهم أن يغيروا حياتهم بتغيير مواقفهم العقلية".

ويذكر كولن ويلسن، مؤلف كتاب ‫#‏سيكولوجية_العنف‬‬‬‬‬‬، تجربة مهمة في هذا السياق تتمثل أنه في عام 1945م أسندت المخابرات البريطانية إلى دارس مجري، يسمى "ألفريد رينولدز"، مهمة استئصال الأفكار النازية من أذهان الضباط النازيين الألمان الذين وقعوا في الأسر لدى الحلفاء.

وصف رينولدز كيف دخل إليهم في القلعة لأول مرة، وكيف ساد جوٌّ من العداء البارد ومحاولات متعمدة لقطع التواصل بينهم، تطلعوا إليه في برود؛ لقطع أي شيء يقوله، ولمنعه من الوصول إلى ما هو أبعد من طبلة الأذن.

ولدهشتهم الشديدة، لم يبدأ بأي مواعظ عن النازية وشرورها كما توقعوا، بدلاً من ذلك طلب منهم شرح مبادئ الاشتراكية القومية النازية، وبمجرد أنهم اقتنعوا بأنه يريد منهم ذلك بالفعل، بدأوا في الحديث فاستمع إليهم باهتمام حقيقي.

وسألهم حينما كان يَعِنُّ له سؤال، ثم أظهر لهم رأيه في وجود بعض التناقضات في المفاهيم، وخلال بضعة أيام لم يعد بينهم من يؤمن بالنازية! كان كل ما فعله في الحقيقة أنه جعلهم يدركون أن كل المفاهيم العقائدية السياسية تمنع الناس من التفكير في أنفسهم.

لم يوجه أي نقد لهتلر وتركهم يشرحون مبادئه السياسية حتى أشرقت في عقولهم أنهم لم يكونوا بحاجة لابتلاع أفكار شخص آخر، وأن بإمكانهم أن يكوِّنوا أفكارهم بأنفسهم. لقد تمكن من نزع الأفكار النازية بجلسات نقاشية مفتوحة، وتولت متعة المناقشة الحرة والفكر المفتوح باقي المهمة.

اكتشف رينولدز أن إعادة تأهيل البشر فكرياً وذهنياً لا تعتمد بأي حال على نوعية ونمط التوجيه -إن كان دينياً أو سياسياً أو أخلاقياً- بقدر ما تعتمد على دفع الناس لاستخدام عقولهم، وإدراكهم أن لهم عقولاً.

إذاً، ملخص العملية يتمثل في: الابتعاد عن انتقاد الشخوص، والنيل من الأفكار بشكل فج، ومحاولة إزالة الحواجز النفسية بين الأطراف المعنية، والوصول إلى حالة من القبول بينهما، وهذا يتم من خلال البيئة الإيجابية، وإقناع الطرف الآخر بجدية الحوار وجدية القبول.

ثم الاستماع جيداً لما يقوله الآخرون، والسعي نحو البحث عن تناقضات، وإثارة الشبهات، وعدم الحرص على هزيمة الآخر؛ بل على إعطائه الفرصة ليفكر بنفسه في هذه التناقضات، أي جعل الآخر يُعمل عقله ويشغله بطريقة سليمة.

وكل محاولات اﻹلغاء والتحذير من الاستماع للآخر حتى المتطرف ستبوء بالفشل الذريع، وهي محاولات يائسة غير عملية في القرن الـ21 مع ثورة كبيرة للاتصالات جعلت كل اﻷفكار في متناول العقل، وتكون المأساة حينما لا يعرف هذا العقل كيف يزن اﻷمور ويحللها، ويفقد خاصية التفكير الحر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.