المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فالح الرويلي Headshot

تحريماتنا الكبرى

تم النشر: تم التحديث:

حينما صعد الطائرة متجهاً إلى لندن لاحظ وجود شباب من دولة خليجية محافظة، كانوا صغاراً في السن، إلا أنهم ما إن ركبوا الطائرة حتى بدأوا في شرب الخمور!

تقرب منهم في الطائرة وكوّن معهم علاقة طيبة، ثم سألهم عن سبب مسارعتهم لشرب الخمر وهم ما زالوا في الطائرة، خصوصاً أن اﻹنسان في العادة يمر بمراحل عندما ينحرف ولا يقبل على الكبائر مباشرة؟!

فأخبروه بالسبب ليبطل العجب، فقد قالوا بأنهم من اﻷساس واقعون في العظائم والمحرمات كما أخبرهم المشايخ، فحلق اللحية من الكبائر، وإطالة الثوب من العظائم، وشرب السجائر من الجرائم، والعادة السرية زنا باليد، وسماع اﻷغاني من الموبقات.

فأرادوا أن يقولوا إن كل هذه اﻷمور منتشرة بين الشباب، وهم بذلك منحرفون سائرون في طريق الشيطان، لا فرق بينهم وبين من يسكر ويزني ويعربد؟!

هذه اﻷسباب دفعت بأولئك الشباب أن يظنوا بأنفسهم شراً، فلا يستطيعون التفريق بين درجات الحرام.

نحن نبالغ كثيراً في تحريماتنا الكبرى، نسلط الضوء على صغائر ولمم ذنوب، ونتفنن في تكبيرها ولمها إلى قائمة عظائم اﻷمور، يدخل مرتكبوها في زوبعة من جلد الذات وتوبيخ النفس وتحطيم الفؤاد، وربما وصل الحال إلى الشلل التام وعدم القدرة على العطاء أو نفع الذات واﻵخرين.

يقول سلمان العودة في كتابه "زنزانة.. عادة مدى الحياة"، تحت عنوان: أحلام جنسية، عن العادة السرية: (هذه العادة ليست من الكبائر وإن اختلفوا في حكمها. الغيبة والنميمة والكذب أكبر منها، وفيها معصية لله وعدوان على اﻵخرين، وقل مَن يوبخ نفسه على ارتكابها كما يقع في العادة السرية!. هي أقرب إلى اللمم والمشتبهات وصغائر الذنوب {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ}.
واللمم صغار الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا، وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي، ورواية طاووس عن ابن عباس.
وعلى الشاب تجنبها ما استطاع لما تحدثه من الارتباك، والشعور بالاستقذار، وأنها تتحول من دفع الشهوة إلى استدعاء الشهوة، ثم اﻹدمان).

العادة السرية هي أكثر العادات انتشاراً بين البشر حيث يقدر بأن أكثر من 95% من الشباب قد مارسوها أو ما زالوا كذلك، ونسبة الفتيات تقل عن ذلك بقليل! كما أن هذه العادة تتسبب في شعور اﻹنسان بالاستقذار، وهذا ليس حكراً على الشباب العربي، فقد ذكر العودة دراسة تقول إن 50% من الشباب اﻷوروبي يشعر بذلك.

وهي بالمناسبة لا تمنح اﻹشباع الجنسي، بل أشبه ما تكون بمسكنات مؤقتة سرعان ما يزول تأثيرها ليمارسها الشاب مراراً وتكراراً دون أن يحصل على اﻹشباع المرجو، كما أن كثرة ممارستها تؤدي إلى اﻹدمان.

هذه العادة تحتاج إلى توازن في طرحها؛ ﻷن المبالغة في تحريمها لن يقلل من ممارستها بقدر ما يزيد من انشغال الشباب بنفسه واستقذارها، فيحبط وربما زاد انحرافه مع الوقت، نحن بحاجة إلى تعليم الشباب كيف يتعاملون مع غرائزهم الجنسية ونبين لهم آليات عملها، نحتاج أن ننتشلهم من براثن الانهزامية والدوران السلبي حول الذات.

وإن درهم عمل نبثه في نفوس الشباب ومهارة نعلمهم إياها، خير من قنطار مواعظ وتحريمات كبرى لن تزيدهم إلا بؤساً.

أعلم أن هذا الموضوع يتعارض مع أطروحات سائدة يتبناها فضلاء هم أرفع منّي قدراً، وأكثر علماً، وأرجو منهم سَعة الصدر، وفهم مقاصدي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.