المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فيصل يوسف Headshot

حين ضاقت عليهم الأرض بما رحُبت!

تم النشر: تم التحديث:

لم أكن يوماً معهم فظاً غليظ القلب حين قرروا أن ينفضوا من حولي، كنت معهم صديقاً ودوداً، أحب مجالستهم، أهوى التجوال معهم هنا وهناك ليس لبيع ولا شراء إنما لمصاحبتهم ومحبة قضاء الوقت معهم إذا ضاقت عليَّ نفسي وقررت أن أحطم أسوار الاكتئاب وقيود الحزن التي كثيرا ما تصيبني سهامها.

حينما كنا صغاراً، نحن البشر، كنا نهلع كثيراً بمشاعرنا الخفيفة وتفكيرنا الساذج حينما كنا نشاهد أفلام مصاصي الدماء؛ فنخشى أن تصيبنا منهم دائرة، فسرعان ما يُطفئ المشفقون على طفولتنا البريئة أجيج هلعنا بإعلامنا أن كل ما وراء الشاشة لا يتعدى كونه خيالاً لا يمس الواقع بصلة؛ فنرى مثل هذه المشاهد فيُبث فينا بعض الطمأنينة كون هؤلاء لا يمكنهم الخروج من وراء تلك الشاشات إلى عالمنا هذا فيُقتّلونا مثل ضحاياهم تقتيلا.

حينما كبرنا وازددنا وعياً أدركنا أن نظراءهم ينتظروننا في عالم الواقع ليتلقفونا وينفذون فينا ما يبدو أنهم قد استلهموه من هؤلاء القابعين خلف الشاشات من جشع واستغلال، فلا تفكير إلا فيما سينتفعون به من وراء أيدي هؤلاء الشباب المغلوبين على أمرهم، هل اتضحت الصورة أكثر؟ نعم إنهم الكثيرون من أصحاب الأعمال الذين لا أستحي أن أصفهم بمصاصي الدماء في وطننا هذا.

تجدهم يديرون مشاريع بملايين الجنيهات ثم يستنكفون أن يزيدوا رواتب من يعملون في مطاحنهم، ثم بكل سماجة يخرج أحدهم واضعاً إعلاناً في إحدى الجرائد المجانية أو المواقع الإعلانية المجانية أيضاً.. طالباً شباباً "حديثي التخرج"، إنها هذه الفئة السمينة بالطاقة، ذات الدماء الدسمة التي لم يجفف منابعها بعد طواغيط سوق العمل، تلك الفئة التي ما لبثت أن أنهت آخر مراحلها التعليمية الجامعية لتخرج إلى سوق العمل مغمضة العينين تبحث هنا وهناك وتجري سعياً وراء أي وظيفة تُدر ربحاً "آدمياً" بعدما يئست من البحث عن عمل في مجال تخصصها الذي يليق بها كفئة تخرجت من جامعة درست فيها مجالاً أحق أن تعمل فيه! فيتخطفها "هؤلاء" المنتفعون من مصاصي الدماء فيمتصون دماءهم دون اعتبار لشهادة أو تخصص، إذ لسان حالهم "تعالَ عزيزي اليائس أعلم أنك لم تجد شيئاً في مجالك الذي جئتني به في شهادتك هذه ظاناً أني سأميزك بها عن الآخرين وما اضطرك الحال للمجيء بنفسك إلى عندي هنا إلا لأنك لم تجد ضالتك في مجالك البائس، فإن لم تستطع أن تحقق حلمك فتعال هاهنا لتحقق حلمي".

خطة هؤلاء أن قدّم أكثر مما بوسعك تقديمه حتى تحصل -وفق تقديراتنا نحن- على ما تستطيع به الحياة هذا إن ظل فيك نَفَس تلتقطه حتى تظل على قيد هذه الحياة.. والاستناد الذي يتكئون عليه هو "إن لم يقبل هذا البائس بعرضنا فثمة بائسون آخرون كُثُر مستعدون للقبول به وهم صاغرون"، ولم لا فالجامعات تضخُّ سنوياً مئات الآلاف أو أكثر من الخريجين فإن كان نصف هذا العدد على افتراض ذلك لا يزال متشبثاً بآدميته فبنسبة كبيرة قد حسم النصف الآخر أمره بالتخلي عن آدميته فقط ليستطيع العيش!

فلا تتعجب حين تري شباباً جامعيين يتجولون في الشوارع يلاطفون المواطنين المشاة سعياً لبيع أكبر قدر من زجاجات "العطور" تحت مسمى وظيفي أهوج "مندوب مبيعات" فيعود بالحصيلة اليومية للشركة فتعطيه نهاية الشهر قرابة ألف جنيه أو زيادة عليها بضع مئات رغم أن ما باعه خلال شهر يتعدى هذا الراتب بأضعاف.. هذه وظيفة حقيقية امتهنها صديقان لي يُفترض أنهما خريجا "إذاعة وتلفزيون"، ما يثير الاشمئزاز في الأمر ليس هذا فحسب إنما حين تجد مصاصي دماء البشر هؤلاء يستعملون معك نظرية العصا والجزرة أو ما قد يُطلق عليه الوعود الوهمية وكأن لسان الحال: "لن يستمر حالك السيئ هذا كثيراً، فهناك المزيد في انتظارك من زيادات ودرجات وظيفية أعلى"، شريطة "أن ترتضي أن نمتص دماءك الطازجة قبل أن يقضي عليها شقاء الحياة".

أعرف مؤسسة تزعم العمل في مجال "الإعلام" إذا ما رأيت إعلانها "المجاني" للوهلة الأولي ينتابك السعادة الغامرة وكأنك أخيراً كـ"خريج إعلام" وجدت ضالتك في هذه الوظيفة التي تظن بسذاجة أنها تليق بتخصصك. إنك حين تكابد متجاوزاً "الإنترفيو" وهو عبارة عن أسئلة تنطوي على معلومات سياسية عامة تخص الشأن المحلي والإقليمي والعالمي، تتفاجأ بما لا تستطيع عليه صبراً.. "36.7" هذا ليس رقماً عشوائياً في معادلة رياضية ولا رقماً خاطئاً أظهرته إحدى الآلات الحاسبة بل مقداراً مالياً بالقرش العتيق إذا طُرِح علي جدك في رعونة شبابه لقدّم استقالته فوراً.. ماذا لو أخبرتك أن هذه القيمة هي سعر الوحدة الإعلامية التي إن بذلت قصارى جهدك في عمل المئات منها خلال زمن قياسي "8 ساعات" حتى تتقاضى في نهاية الشهر راتباً يليق بآدميتك، فأنت لا تستحق إلا أن يعنوا اسمك على مجلد موسوعة جينيس لا فقط على إحدى صفحاته أو تنضم سريعاً لشخصيات مارفل الكرتونية وتصبح أول شخصية خيالية تخرج إلى عالم الواقع، لكن الواقع أن المتوسط المطلوب منك عمله من هذه الوحدات يومياً -فضلاً عن أن تكون كالسمكة وتبيض لهم المئات والآلاف منها- إذا حصدته آخر الشهر فسيصل مرتبك تقريباً لـ700 جنيه ثم تجدهم يزعمون أنهم يشفقون عليك فيخبرونك أنهم يمنحونك 300 جنيه -وكأنها عطية منهم- حتى يكتمل راتبك للرقم الذهبي في نظرهم الـ"1000 جنيه"، هذه الوحدات هي مواد إعلامية تُجمع لصالح الشركة كأرشيف ضخم لديها يستخدمونه في تجارتهم المعلوماتية ليحصدوا من وراءها ما يلقون الفتات منه للعاملين لديهم!

بالطبع أعرف هذه المعلومات لأني كنت أحد الفارين منهم مع بعض زملائي في الدراسة، كنت أسمع من المتواجدين هناك أن الفارين كُثُر، وكلما دخلت طائفة مغيبة خرجت أخرى متفاجئة مُسرعة ويتبقى منهم من ارتضى العمل في هذه المطحنة لضيق ظروفه وكثيرٌ منهم مغتربون، لا أعرف كم مليماً زادوهم الآن لأن هذا ما شهدته منذ سنين، أتذكر جيداً كلمة المسؤول المالي حينما أخبرني محاولاً إقناعي بالاستمرار قائلاً لي بأن "مافيش شغل دلوقتي برا وده مكان هتتثبت فيه وليك راتب" وأشياء مثل هذه المغريات الساذجة التي زادتني اقتناعاً بأنه ما اتبع هؤلاء هذه الإستراتيجية إلا حينما أيقنوا أن سوق العمل متدهور، فعلموا أنهم ربما يكونوا الملاذ الأخير لخريجي الإعلام الطموحين للعمل في التخصص، كم أتمنى أن تزحزح هذه الشركة قليلاً يدها المغلولة إلى عنقها وتغير من سياستها في التعامل مع الذين لا يزالون بداخلها على قيد الحياة وتمنحهم ما يساوي ما يقدمونه لهم وتقدر ظروفهم هذا إن زاغت قلوبهم عن المال قليلاً ونظرت بعين الإنسانية وبالطبع مثلهم كُثُر.

فإما أن ترضخ لهؤلاء وتسلم لهم وريدك فيمتصوا منه ما يُملئ بطونهم أموالاً أو أن تظل تكافح حتى تجد المكان الذي يقدر تخصصك ويقدر جهدك هذا بعيداً عن نظرية "الواسطة" التي يذهب خلفها الكثيرون ممن أرادوا النجاة من التهلكة.

"عن المغتربين خارج أوطانهم" هو اسم أول مقال هنا لصديق الدرب إسلام حسن، الذي من أجله فكرت في كتابة هذا المقال، أتذكر جيداً أول يوم تعارفته فيه، كان إنسان طموح، حمال للأمل، شاحذ لنا بالهمم، كان يتمني أن يعلو في آفاق مجالنا "الإعلام" حتى يصل لأعلى مراتبه بادئاً من نقطة البداية التي يبدأ الكثيرون منها، فكّر فقط أن يعمل صحافياً فواجه في مصر ما واجه حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فقرر أن يهاجر بحثاً عن نفسه، بحثاً عن ذاته التي فقدها هنا، وها هو ذا لا يزال يكد ويبحث عن الطريق الذي يخطو مساره حتى يبلغ هدفه المنشود، ليس هو فقط بل صديق آخر لي قارب أيضاً على السفر وها هو الآن ينتظر الإجراء الأخير، وغيرهم من أصدقائي ممن ينتظرون "حلم السفر" وكُل له عراقيله وفقهم الله حقاً وأعانهم في هذا الطريق الصعب الطويل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.