المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فيصل عثمان Headshot

الفافوش في حكم الفريق المغشوش

تم النشر: تم التحديث:

يزخر الأدب العربي بطرائف في السياسة وظرائف في الحكم والرياسة، تجعل من بعض شخوص التاريخ نكات مضحكة يتندّر بها الناس ما تعاقب الليل والنهار، فمنها الصادق ومنها المكذوب، ومن هؤلاء المطعون فيه حقّاً، ومنهم المفترى عليه بالإفك والتزوير، وكلّهم عند النّاس سواء؛ إذ لا تبحث العامّة عن مواطن الصحّ والغلط، ولا يهمّها الحق والشّطط، ما دامت النوادر تُعزى إلى من مضوا وبادوا، والناس أعداء من سارت فضائله، إن وجدوا في شواهد الكتّاب والشهود فسحة للفرجة والضحك.

يقول الناس إذا ما رأوا من الحاكم زلّة: "هذا من حكم قراقوش"، ولا يعرف الناس عن هذا القراقوش إلا ما كتبه ابن مماتي في رسالته "الفافوش في أحكام قراقوش"، والأدب يرفع أقواماً ويضع آخرين، وقراقوش قائد جيوش صلاح الدين الأيوبي، كان من أولئك الذين وضعهم الأدب وجعلهم أضحوكة للعالمين، رغم أنّه كما يقول المؤرخون كان مضرب المثل في حفظ الأمانة والحكمة والقيادة، إلا أنّ قراقوش الحقيقي مات وبقي قراقوش الفافوش، وتلك جريمة الأدب، كما قال الشيخ علي الطنطاوي في كتابه "رجال من التاريخ"، وهو يترجم سيرة قراقوش.

وإنّي لأذكر قراقوش الفافوش كلّما رأيت حاكماً عربياً، وتحلّ صورة كافور الإخشيدي في مخيّلتي كلّما أبصرت وجه الفريق عبد الفتاح السيسي، وأذكر ذاك البيت الشهير:

لا تشتري العبد إلا والعصا معه ** إن العبيد لأنجاس مناكيد

مع أنّ السيسي ليس من طينة العبيد الذين حدّثنا عنهم المتنبّي وابن ماماتي، إذ هو صنعة فريدة من صنائع العبودية، وأنموذج عجيب من نماذج الخسّة والنذالة التي يمكن لبشري أن يجمعها، فلا هو ممّن لهم خلّة تحمد، ولا ممّن لهم نقيصة تحصى وتعدّ، بل هو خلطة نادرة جُمعت فيها طواعن المروءة التي تفرّقت بين سابقيه، وعقدت على ناصيته عقد النقص كلّها، ولو استحالت نفثة الشيطان بشراً لكانت على هيئة السيسي، وإذا طاب أصل المرء طابت فروعه، وإذا خبث خبثت، ولا أظن السيسي إلّا فرعاً من أصل خبيث، فهو فنن من شجرة الزقّوم، وهي -لعمري- شجرة خبيثة أصلها في قعر الجغرافيا العربية وفروعها في اثنين وعشرين إقليماً من أقاليم سايكس بيكو.

ولأنّ سجايا الفريق موغلة في الخسة، ولا أستطيع حصرها، فسأقتصر على حادثة أخيرة لم يلقِ لها الإعلام بالاً، لكنّها تبدو لذوي النظر شراً ووبالاً، فهذا الفريق وعد وأخلف، وعاهد ثمّ غدر، وعد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالتمكين لقافلة المساعدات التي قادها رجالها من المرور إلى غزة، وحين وصلت القافلة إلى معبر رفح أغلقه في وجهها، وعاهدهم على تسهيل المسير ثمّ غدرهم، وأجبرهم على دفع 1400 دولار يومياً جزاء المكوث هناك مع ما في الأمر من مخاطر على المعدات واحتمال تعرضها للسرقة والمصادرة، وكأنّي به يريد أن يثبت للنّاس أنّه أشدّ على الفلسطينيين من الصهاينة، ويؤكّد لنا أنّه أحرص منهم على التنكيل بهم، والنيل من معنوياتهم، فهم على غيّهم وجبنهم وعدائهم لا يفعلون ما يفعل، وإن فعلوا فهم أعداؤنا، وبنو أعدائنا لا نرقب منهم رأفة، لكنّ السيسي يزايد في الحقارة، ويمعن في الإجرام دون أن يجد رادعاً.

السيسي بعد أن استنفد وسائل الحصار والتآمر بهدم الأنفاق وغلق المعابر ومطاردة الأحرار، قرّر أن يزايد على الصهاينة؛ ليدخل تاريخ العمالة من أوسع الأبواب، وكأنّي به يريد أن ينافس اللورد روتشيلد وبلفور في خدمة الصهيونية العالمية، ويجاري بن غوريون في الحميّة للقومية اليهودية، ويتشبّه بموشيه دايان في التعصب للهيكل المزعوم، بل إنّا نراه يسعى ليمسح تاريخ السادات، ويكتب على صفحاته تاريخاً جديداً تبدو معه أفعال السادات نقطة في بحر خيانته، ويظهر انبطاح مبارك مع انبطاحه مثل الإبرة في كومة قشّ لا تكاد تَبين.

سيكولوجية الفريق السيسي السادية دليل آخر على أنّ الجنرالات العرب أشدّ عتيّاً من المستبدين المدنيين إن تولّوا السلطة، وأكثر غباء في الحكم، وأقرب ما يكونون إلى البله المشبع بالاستكانة للعدوّ والتودّد إليه، بل إنّهم أحرص الناس على إفساد نُظم الحكم والعبث بالمؤسسات، فكلّ جنرال عربي هو مشروع قراقوش حتّى تثبت براءته، ليس تجنّياً ولا تعميماً، لكنّها دروس التاريخ وشواهد الواقع، لا عجب أن يكون حكم العسكر كذلك لمن يعرف القيم التي ينشأ عليها هؤلاء، كلّ العجب أن هناك مَن لا يزال ينتظر الخلاص من أصحاب القبعات رغم علمهم أن القبعة لم تحمِ الشعب يوماً، القبعة تحجب الشمس بنوعيها فقط: شمس الطبيعة، وشمس الحق.

بقي أن نشير إلى أنّ قافلة المساعدات لا تزال تنتظر تسريحاً من قراقوش مصر الجديد، وترتجي رضا كافور القرن الواحد والعشرين، إنّه حكم الفافوش، ولا ابن مماتي له!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.