المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فيصل عثمان Headshot

مصائب وليطُل عمر الرئيس!

تم النشر: تم التحديث:

في وطني، أحرق رجل جسده بالبنزين؛ لأنّه لم يجد اسمه في قائمة الذين أخذوا حقّهم في السكن، طال انتظار الرجل ولم يتحمّل عناء التشرّد والفاقة فوضع حدّاً لحياته.

في وطني، شغّلت التلفاز لأشاهد نشرة الأخبار في قناة حكومية فرأيت كهلاً اغرورقت عيناه بالدمع، قالت مذيعة الأخبار: إنّ الدولة "أعطته" سكناً بمناسبة ذكرى الاستقلال، الكهل -المحظوظ في نظر أقرانه- قال وصوته يتهدّج: "أعطتني الدولة سكناً بعد 14 سنة من تقديم طلب السكن بفضل تضافر جهود السلطات... أشكر الرئيس أطال الله في عمره".

في وطني، عجوز في الستين تعبّر عن فرحتها: "الحمد لله الشقة فيها الماء والكهرباء... الله يطيل عمر الرئيس ويفرحه كما أفرحنا"، نِعَم جليلة تراها السيدة المحرومة، فالرئيس أتى بما لم يستطعه الأوائل... وتوالت التصريحات ودعوات البقاء والعمر الطويل للرئيس!

أخرجت هاتفي وأردت أن أتّصل بمكتب الرئيس لأتمنى له طول العمر كما يفعل أبناء وطني؛ لأنّه تركني حيّاً لأشهد هذه الأهوال، أيعقل أن يصبح الماء والكهرباء مدعاة للسرور في هذا الزمن، أليس السّكن والعمل والنقل والتعليم والعلاج حقوقاً، والحق هو كلّ مصلحة يحفظها ويحميها القانون كما قرأنا في الكتب؟

من علّم النّاس أن يقولوا "أعطاني الرئيس ومنحتني الدولة" ومن علّم الولاة والمسؤولين أن يخاطبونا: أعطيناكم كذا، وأتيناكم بكذا؟

يعتقدون أنّهم يتصدّقون علينا من جيوبهم وينفقون علينا من أرزاق آبائهم وأمّهاتهم، يمنّون علينا وكأنّنا متسوّلون على أبوابهم، ويظنّ أغلبنا أنّ ما يأخذونه مكرُمة من المسؤولين وفضل يتوجّب الحمد والثناء.

في وطني، يبكي رجل لأنّ وزير الصحّة قرّر أخيراً التكفل بعلاج ولده، ويرفع الرّجل يديه بالدعاء للوزير والحكومة ونوّاب البرلمان.

في وطني، تموت امرأة حامل على عتبة المستشفى؛ لأنّه رفضها وتصرّف مسؤولوه كما يتصرّف إقطاعي مع عبيده، تموت الحامل وابنها في بطنها دون أن يحرّك وزير ولا ورئيس ساكناً ولو شاكت نطفة المسؤول شوكة لأرسلها إلى مشافي باريس تعالج بأموال الشعب.

في وطن يشبه وطني، خرج نسوة إلى الساحات يحملن صور الرئيس الأسبق حسني مبارك ولافتات كتب عليها "آسفين يا ريّس"، تقول سيّدة هناك: إحنا ظلمنا الريّس بثورة يناير، كان مأكّلنا ومشرّبنا ومعيّشنا زيّ الفل واحنا سجنّاه.

نعم أيّها السادة، سكن وأكل وشرب يستوجب الحمد والثناء، ولو اتّبعنا منطق الأشياء لوجدنا أنّنا نتساوى مع حيوان الضبّ في نيل هذه المزايا، له جحر ولنا حجرة، يأكل من خشاش الأرض ونأكل من فتات الحكومة، فمن أقنع العربي بعقلية الضبّ يا ترى؟

يقول الكواكبي: إنّ الجهل ركيزة الاستبداد، ويقول مثل مغاربي: "اضربه على التبن ينسى الشعير"، وهكذا يتعامل معنا مسؤولونا، تركونا جهلة أمّيين لا نفرّق بين ما لنا وما علينا ليخلو لهم الفضاء فيعملون فينا ما يشاؤون ويأخذون ما يرغبون، حتّى إن عاتبناهم على ذلك توعّدونا بالويل والثبور؛ ليتحوّل الهدف من انتزاع الحرية إلى الفوز برغيف الخبز، ومن افتكاك الوطن إلى افتكاك السكن، ومن الحكم والقيادة إلى الوظيفة المعتادة، يحشرون تفكيرنا في إطار ضيّق لا نجرؤ على اجتياز حدوده، ويواصلون زيادة الجرعات لنا حتّى تغدو حقوقنا أحلاماً نسعد بتحقيقها، وقد قالها غسان كنفاني: "يأخذون رغيفك ثم يمنحونك كسرة ثم يأمرونك أن تشكرهم... يا للوقاحة!".

في وطني الكبير، تقصد باب المسؤول فيردّ عليك الحارس قبل طرق الباب؛ ليخبرك أنّ المدير في اجتماع، تعود بعد ساعات والمسؤول ما زال مجتمعاً مع شياطينه حتماً؛ لأنّ حتى لقاءات القمة بين رؤساء الدول لا تدوم ساعات متصلة، حجّة الجميع وجود الاجتماع لتعطيل مصالح الناس ولا أحد يحاسب أحداً، التواطؤ من أعلى إلى أدنى، وانتقل العربي من القبول بالوضع إلى تبريره، الإمام يبرّر ويدعو والصحفي يمجّد والمواطن يلتمس الأعذار لمن يأخذ حقّه، فمن سلب العربي كرامته؟

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق"، فكيف استبدلناها اليوم بسيّء الصفات وأبغض الخلال لا نحن بقينا قبائل لها من العادات والتقاليد ما يرفع شأننا على الأقل أخلاقياً، ولا نحن انخرطنا في سيرورة التاريخ وصرنا دولاً تحكمها القوانين الصارمة وقواعد المواطنة الحقّة؛ حيث أنت بين مؤدٍّ لواجب ومطالب بحق، تركنا خلفنا القبلية وتخلّفنا عن ركب المواطنة، وظللنا في مفترق الطريق نبحث عن وجهة تقينا مطبّات التقهقر ولم نجدها؛ لأنّنا نروم المحال.

في وطني أيضاً، عبقرية المسؤول لا تتعدّى طول أنفه يحلّ المشكلة بمعضلة والمصيبة بنائبة والكارثة بداهية، ولو كان استراتيجياً يحلّ الأزمة بأزمة كما يفعل القادة الكبار لرضينا لكنّه الجهل المركّب، يحشرنا في عنق الزجاجة التي حدّثونا أن الوطن سيخرج منها، حين خرجنا من عنق الزجاجة ألفينا أنفسنا رغاوي وزبداً يذهب جفاء أما ما ينفع الناس فهو في باطن الأرض، تنقّب عنه الشركات الغربية، وتبيعه لنا مميّعاً ومكرّراً أو غازاً مسالاً، بأضعاف ثمنه حين كان في الأرض، وكنّا نحن نصارع لنخرج من عنق الزجاجة.

في وطني كلّ شيء يتراجع ويتقهقر ويضعف ويقصر، ولا شيء يطول إلّا ليل الظلم وعمر الرئيس!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.