المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فيصل عثمان Headshot

الحبر المسموم: الزاوي وأقلام الانتداب

تم النشر: تم التحديث:

تحت شعار الحداثة وكسر قدسية الأشخاص، والعصرنة والتجديد ومحاربة التطرف يكتب كثير من أقلام بلدي الجزائر وباقي البلاد العربية التي ابتليت بوبائي التزمت الديني من جهة والشوفينية الأيديولوجية من جهة أخرى، فانحسر بصر العربي، وانحصرت بصيرته بين آفتين: داعشية نصف الساق، وداعشية "الميني جيب"، وإنني ألفت انتباه قارئ هذه الأسطر إلى أنّ لفظتي الداعشية بنوعيها هنا مجرد وصف لفئتين تدعي كل واحدة منهما ملكية الحقيقة، والوصاية على دين الناس، وفكر المجتمع بفجاجة مثيرة للقرف في كثير من الأحيان.

وإن كانت داعشية القتل والتزمت قد استوفت الدراساتُ والمقالات البحثَ في مرجعيتها وأسسها، ولم تعد تخفى على ذي لبّ، فإنّ نقيضتها داعشية الميني جيب لم تنَل نصيبها من النقد إلا لماماً، ذلك أنّ أصحابها يخفون سوءاتهم برداء التنوير تارة، والتمظهر بمظهر الضحية المتوجسة من الطرف المقابل تارة أخرى، وواقع الحال عكس ذلك، فأقلام هؤلاء هجومية متأهبة لاقتناص الفرص للتهجم على المقدّس والإساءة إلى الدّين دون أن يكون للخصوم مجال للردّ؛ إذ يصبح الجميع حينذاك في مرمى نيران "التنويريين" الذين يطلقون رصاص الاتهامات وابلاً عند أوّل اعتراض، فخزّان الرشاش الأيديولوجي مليء بالذخيرة، ولن أبالغ إن قلت إنّني سأصبح بعد نهاية هذا المقال ظلامياً ورجعياً ومتطرّفاً، وربّما بعثياً أو يداً أجنبية تعبث بالمجتمع في أعين مريدي ما سأطلق عليه هنا وصف أقلام الانتداب الأجنبي، ولا أقصد بذلك أن أتهم هؤلاء بالخيانة كما يعرفها الناس، بل هو انتداب لفكر تغريبي يعادي الأصيل في الانتماء، والأصلي في ثقافة المجتمع، ويستهين بالإسلام والأخلاق، ويحتقر حتّى الشعوب حين تتحرّك دفاعاً عن ثقافتها وحرّيتها، تلك الحرّية التي لا يراها هؤلاء إلّا في مساحة تمتدّ بين الخصر والركبة.

قبل أسابيع أثار الكاتب المصري يوسف زيدان زوبعة حين طعن في بطولات صلاح الدين الأيّوبي، ومن وراء ذلك تاريخ المسلمين وعقيدتهم، وإن كان زيدان قد وجد من يردّ فكرَه السقيم خاسئاً، فإنّ في بلدي نسخاً من زيدان تنعق كل يوم خارج سياق الزمن؛ لترضي الذين يغيظهم أن يولّي الناس وجوههم قِبَل المسجد الحرام.

في 15 يونيو/حزيران كتب أحد الذين يدّعون الحداثة مقالاً بعنوان "الله لا يسكن مكة"، يقول فيه بالحرف: " فقدت الأحزاب الإسلامية شعبيتها، لكن في المقابل تأسلمت الأحزاب المسماة وطنية، تأسلم اللائكيون والديمقراطيون والماركسيون..."، أي نعم هكذا يرى أمين الزاوي الوضع، كلام لا يقوله إلا من حمل في قلبه حقداً أعماه عن رؤية الحقيقة، وإنّي أسأل هنا السيد الزاوي عن المنطق الذي يتبنّاه ليقول إن اللائكي أصبح إسلامياً والماركسي الأحمر صار ملتزماً، فهل رأى كارل ماركس يرتدي عباءة الصلاة في منامه مثلاً، أم أنّه قد صادف في طريقه بين أحد المراقص وبيته توماس جيفرسون يتيمّم لصلاة الفجر؟

الغريب أنّ الزاوي وأمثاله يعتبرون الشعب كله إسلامياً من جهة، ثم يقولون إنّ ذلك غريب عنه، فإن كان المجتمع إسلامياً فلماذا يريدونه غير ذلك ما دامت حتى الأحزاب العلمانية تأسلمت، هل كلّ الناس على خطأ ووحدهم مثقّفو الانتداب الأجنبي على صواب؟

أليست هذه هي الوصاية بعينها، وهذه هي مشاريع التغريب والانسلاخ؟!

وكما يقال إذا عُرف السبب بطل العجب، والسبب نعرفه حين نقرأ مقالاً لهذا الكاتب المنزوي في ركن الشوفينية بعنوان "في بلاد إن شاء الله" يعتبر فيه كل من يقول "إن شاء الله" فقيهاً وإماماً، وبهذا القياس تصبح حتى إيفانكا ترامب إسلامية جهادية تهدّد تماسك المجتمع؛ لأنّها جاملت مستضيفها العربي وقالت إن شاء الله، مضحك!

وفي مقال آخر بعنوان "هل هناك وسطية في الإسلام؟" يهاجم الزاوي حتى دعاة الإسلام الوسطي، كما يقول، فهم "مفكرون انتهازيون يستعملون كلمة الوسطية للتغطية على التناقضات والصراعات الموجودة في الإسلام نفسه وفي ممارسات الملتزمين أيضاً"، ويدعو في النهاية إلى تنقية المناهج والمساجد من النصوص وشنّ حرب فكرية ضدّ الفقهاء، وحرق كتب التراث الإسلامي التي أعاقت تطوّر المسلمين الذين لم يؤلّفوا إلا مئات الكتب المفيدة طيلة 15 قرناً مقابل آلاف كتب العنعنة كما يصفها، ولا تخفى على القارئ أن هذه مغالطات تاريخية جليّة لم يقع فيها حتى الغربيون، وأذكّر قراء هذه الأسطر بأنّ حرق الكتب فظاعة يرتكبها عادة المحتلّون الأجانب، كما فعل التتار في بغداد، والصليبيون في الإسكندرية، وبعدهم الفرنسيون في الجزائر، والأميركيون في العراق مرة أخرى، فما علاقة الزاوي بفكر الصليبيين وأشباههم يا تُرى؟

النسخة الجزائرية الأخرى ليوسف زيدان اسمه كمال داوود، روائي كرّس قلمه لمحاربة الأصولية -حسبه- سواء في الرواية، أو على أعمدة جريدة لوموند الفرنسية، حتى نافس كبار روّاد الإسلاموفوبيا، مثل إريك زمور وبرنار هنري ليفي ومارين لوبان وغيرهم ممن يسمّيهم الكاتب الصحفي باسكال بونيفاس الدجّالين في كتابه "المثقفون المزيفون"، الفارق الوحيد بين داوود وهؤلاء أنّهم طوّروا خطاب الكراهية بما يتلاءم مع متطلبات العصر، في حين ظلّ كمال داوود يردّد مقاربات وأفكاراً عفا عليها الزمن تعود إلى الخمسينات من القرن الماضي، وهكذا يتصرّف "الأنديجان" أو ابن الأهالي، كما يسمّيه الفرنسيون منذ فترة الاحتلال، حتما لا يعتبر داوود وأمثاله أنفسهم أهالي بل يذمّون الأهالي ويسخرون من شعائرهم، لكنّهم سيظلّون مجرّد أهالي بدرجة خدم من الصف الأوّل في أعين الفرنسيين والغرب عموما، وإن نسينا فلن ننسى قصة ذلك الضابط الجزائري في جيش الاحتلال بن داوود الذي أوقفه جندي في الشارع، وهو باللباس المدني، وطلب منه أن يرفع يديه ليفتّشه، وحين رفض؛ لأنّه أعلى رتبة من الجندي أجبره هذا الأخير وأهانه، حينذاك أدرك الخائن مكانته فأرسلها مثلاً سائراً إلى اليوم: "عربي عربي ولو كان الكولونيل ابن داوود".

ما يجب أن يعلمه الناس في الختام أنّ أقلام الانتداب، وإن بدت أصواتاً نشازاً فهي تشكّل ضلعاً قائماً في مثلث وتره الاستبداد وقاعدته الانتداب، وتلك الأقلام ما هي إلا سهام في كنانة الأعداء علم أصحابها ذلك أم جهلوه، وستعلمنّ نبأهم ولو بعد حين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.