المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فيصل الجريسي Headshot

في ذكرى الأندلس

تم النشر: تم التحديث:

في هذه الأيام تحلّ علينا ذكرى مؤلمة، وبما أننا أمة تحب البكاء على الأطلال، فسأخرج عن هذه العادة قليلاً، فهنا لن ألطم على الماضي الحزين، ولن أبكي على ذلك العصر المشرق الذي غابت شمسه، ولم تشرق بعدها، لن أذكر تلك المآثر التي أنارت الأرض كلها، تلك العلوم والفنون والهندسة، تلك الحضارة المدنية الراقية التي زَهَت وارتفعت بينما كانت أماكن أخرى تعيش وباء الجهل والتخلف والرجعية، ولن أذكر تلك المدن الجميلة التي تمنَّى العرب والعجم حينها أن يكونوا من سكانها المحظوظين، كما يتمنى العديد الآن العيشَ في عواصم الدول الغربية.

لن أتحدث عن فاطمة المجريطية، وهي تدرّس الرياضيات، أو عن الزهراوي وهو يعالج أحد المرضى، وسأترك النياحة أيضاً على العلماء والمفكرين الذين قتلوا وأحرقت كتبهم حتى امتلأت سماء أوروبا حينها برائحة الورق والحبر، وحتى لا نسقط مرة أخرى هل سنعيد نفس الأخطاء؟

مشى يوماً مبعوث الإفرنج في شوارع قرطبة مستطلعاً إن كان الوقت مناسباً للهجوم على الأندلس، ورأى شاباً يبكي على حافة النهر، فسأله عن سبب البكاء، فأجاب بأنه قد منع من الالتحاق بالجيش، ورجع المبعوث قائلاً: فلنتراجع ففي الأندلس قومٌ لا يهزمون.. وبعدها بسنين طويلة عاد المبعوث مرة أخرى، وإذا بشاب آخر يبكي؛ لأنه لم يحضر جلسة طرب، رجع المبعوث مبشراً قومه بأنه الوقت المناسب للهجوم.. توالت الغزوات والنكبات على مسلمي الأندلس، وبدأت ملامح الذل والهزيمة ترتسم على شفاه الدولة، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، حتى سلم أبو عبد الله محمد الثاني عشر مفاتيح غرناطة لفرناندو وإيزابيلا وسقط مغشياً عليه من البكاء نادباً حظه أن يكون الخليفة الذي سقطت على يده الأندلس.

‏لمَ سقطت؟

دخل زرياب (الموسيقار المشهور في البلاط الملكي للدولة العباسية) إلى قرطبة، حاملاً معه عوده وأوتاره، نقل معه الكثير من العلوم والآداب والمعارف، ولكن زرياب كان كدابَّة الأرض التي أكلت المنسأة، فراح ينشر الغناء والموسيقى على أنها علم أساسيٌّ وغاية لا بد منها، فتقرب من الناس ومن الخليفة حتى تقدم علمُ الموسيقى على باقي العلوم، فافتتح أول مدرسة للغناء والموسيقى، وانتشر هذا العلم بين الناس انتشاراً فاحشاً حتى أعرض الناس عن كتاب الله وسنة نبيه، وامتلأت بعدها مجالس الأندلس بالغناء والموسيقى، وشيئاً فشيئاً حتى رافقها رقص النساء وكؤوس الخمور، وغفل المسلمون عن التقدم الحضاريّ والعلمي؛ لتؤول بعدها الأندلس إلى ما آلت إليه من الهزل والضعف والضياع، لم يكن زرياب السبب الوحيد، ولكنه سبب كافٍ على أقل تقدير.

والآن لنستيقظ من السبات، وحتى لا نسقط أو نضيع مرة أخرى، فلنتمسك بما أوحي إلينا من ربنا، فلنسابق في العلوم والتطور والحضارة والفنون، فلنصنع عظماء وعلماء جدداً، ولتستعِد الأمة أمجادها الراحلة، ولنبعد كل زرياب يزورنا مجدداً، فالأمة لن تقوم حتى تستعيد عزة الدين، ففرضٌ علينا مجابهة الضعف والوهن، فهنا وهناك جهود جبارة لإسقاط الجيل القادم وتجريد هويته الإسلامية والعربية حتى ينشأ جيل ضعيف هش لا يقوى على شيء، فينام الغرب مطمئناً، فلن تقوم بعدها أندلس جديدة أبداً.

إلى مكتبات غرناطة العظيمة، إلى كتبِ ابن رشد، وإلى قصر قرطبة.. عذراً فالجمعة القادمة حلقة جديدة من "عرب أيدول".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.