المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 فيصل علي  Headshot

"تعز".. المعادل الموضوعي للدولة اليمنية

تم النشر: تم التحديث:

لا تحدد أقدار الشعوب سوى الكتل الحية القادرة على التغيير والبناء، تتصف هذه الكتل الحية بتنوعها وقدرات أفرادها وكفاءاتهم ومدى تفاعلهم مع الأحداث والقضايا العامة، أزعم غير شاكٍّ أن كتلة حية كبيرة ومتنوعة ومتناغمة توجد في تعز وسط اليمن، لديها من المؤهلات ما يقوم بالدولة وينهض بالوطن برمته لا بإقليم من الأقاليم الستة التي نص عليها مؤتمر الحوار الوطني، إن توفرت الإرادة وترك لتعز القيام بدورها التنموي.

تعز قرطبة الشرق بكل ما تعنيه الكلمة، فهي مدينة العلم والتعليم، والثقافة، والأدب والشعر، والصنائع، والحرف، والمهن، وأرباب التجارة، أهلها لا يعيبون العمل في أي مجال، بل يقدسونه ويرونه خير العبادات، ولذا تراهم منتشرون في كل أرجاء اليمن الكبير، من أساتذة الجامعات، إلى عمال البناء، وبذلك يشكلون القوة الفاعلة في المجتمع اليمني.

تم تغييب تعز عن الأحداث في اليمن منذ سنة 1974 حينما تولى الرئيس إبراهيم الحمدي الحكم، وكان أن عين الشاوش علي عبدالله صالح قائدًا عسكريًّا لتعز، ودخلت المدينة في مرحلة الإقصاء المناطقي المذهبي الطائفي، فهي مما هو معلوم محسوبة على قوة السنة في جزيرة العرب، مثلها مثل حلب سوريا، وموصل العراق.

لعبت تعز أدوارًا مهمة في التاريخ اليمني المعاصر إبان التحرر الوطني، فكانت قاعدة انطلاق كل الثورات الاجتماعية اليمنية سواء في الشمال أو الجنوب، وتاريخ الحركة الوطنية مليء بالشواهد، منذ أعوام 1962 و 1963، وعندما سقطت صنعاء في حصار السبعين يومًا الذي امتد من 27 نوفمبر 1967م إلى 7 فبراير 1968م كانت تعز مركز تجمع القوات الشعبية التي انطلقت لفك الحصار، بالإضافة إلى أبنائها الذين كانوا أصلا في صنعاء وخاضوا معركة فك الحصار وتاريخ عبد الرقيب عبد الوهاب الذبحاني رئيس هيئة الأركان العامة وبطل فك الحصار أبرز الشواهد، تم تصفيته في نفس العام وتم إبعاد ضباط تعز عن قيادة الجيش فيما سميت بالأحداث الطائفية في صنعاء سنة 1968.

في 1962 بعد انتصار ثورة سبتمبر، كان ضباط تعز في قيادة الجيش، وكان اللواء محمد قائد سيف القباطي عضو مجلس قيادة الثورة في 1962، وفي 1963 عضوًا في مجلس الرئاسة، وشارك ضباط من تعز في مطاردة المخلوع البدر في جبال وشحة حجة، كان عثمان الضابط عثمان أبو ماهر أبرزهم حينذاك، لكن بعد أحداث 68 تم إبعادهم بعد مقتل القائد عبد الرقيب عبد الوهاب، وآخر قائد عسكري من تعز كان عبد الله عبد العالم قائد لواء المظلات الذي انسحب إلى قدس تعز بلوائه وغادر اليمن في 1979 إلى سوريا ولم يعد إلى اليوم.

عندما كانت الحركة الوطنية تعمل لأجل انجاح ثورة 14 اكتوبر 1963 كانت تعز هي بوابة الثوار للوصول إلى عدن، وملاذهم إذا اشتدت الأوضاع هناك، في 1964 خطب الزعيم عبدالناصر من تعز وطالب "العجوز الشمطاء" بالرحيل من عدن فاشتدت الضربات ضد المستعمر البريطاني في محمية عدن وما جاورها.

في 11 فبراير 2011 انطلقت ثورة التغيير اليمنية من تعز وانتشرت في عموم اليمن، وشارك الكثير من أبنائها في كل فعاليات الثورة ، وفي 2014 وعندما بدأت المدن اليمنية في السقوط أمام هجمات مليشيات المخلوع صالح والحوثيين كانت تعز مع مدن يمنية أخرى جاهزة للمقاومة، ولأن المليشيات التي حرصت على تحييد تعز بقوة الدجل والإعلام والسياسة لكي تستحوذ على عدن رفضت تعز كل المساومات وأعلن قائد المقاومة في تعز حمود المخلافي بدء العمليات العسكرية ضد المليشيات التي وصلت إلى تعز تحت غطاء قوات الأمن الخاصة.

تمثل تعز المعادل الموضوعي لنجاح الثورات اليمنية، وفي ظل الأوضاع الحالية، فإنه لا نصر بدون تعز، ومن يسيطر على تعز سيظل في رأس الأمر، كنت أتابع خطاب المقاومة في عدن وأتعجب من مطالبتهم لقوات التحالف العربي المساند للمقاومة اليمنية بالسيطرة على لحج لإكمال تحرير عدن، يا لقصر النظر العسكري، فتعز وعدن تشكلان المنطقة العسكرية الرابعة وفقًا لآخر تخطيط عسكري وضعه من حكم البلاد، وتحرير جزء من هذه المنطقة في العرف العسكري لا يعد نصرًا حاسمًا على الإطلاق، فنصف نصر ليس سوى هزيمة مؤجلة إلى حين.

تمثل تعز المتربعة على 10000ك/م والمطلة على ميناء المخا وباب المندب حقلة المنتصف في معادلة الدولة اليمنية، لأسباب تتمثل في موقعها الإستراتيجي المتوسط للخريطة اليمنية، وهي حلقة الوصل المشتركة بين الشمال والجنوب، ووجود ستة مليون نسمة يعيشون فيها بالإضافة إلى 5 مليون في إب حيث تكونان إقليم الجند، فهذا يعني أن المنطقة هذه يتركز فيها ما يقرب من نصف سكان الجمهورية اليمنية، وهذا يشكل فارقًا ديمغرافيًّا، خاصة إذا فهمنا حقيقة التنوع وفاعلية السكان، بالاضافة إلى أن أكثر فئة عمرية فيها هي فئة الشباب، وهذا ما يجعل منها قوة فاعلة لبناء الدولة.

أضف إلى ما سبق وهو الأهم، تمثل تعز حاجزًا منيعًا من تدفق قبائل شمال الشمال نحو عدن والجنوب بغرض الحرب، وهي حلقة الوصل بين الشمال والجنوب والضامن الموضوعي لإرساء استقرار فيدرالي بين الأقاليم، فكونها جنوبية الموقع وشمالية الحدود ما قبل الوحدة يؤهلها للعب المعادل الموضوعي لمعادلة الدولة المستقرة.

كون تعز مع شرعية الدولة هو ما يضمن انتصار الدولة، حدث هذا في 1994 ويحدث هذا الآن في 2015 فلا انتصار لمن لن تكون تعز في صفه، كذلك العدد السكاني الكبير لتعز يمثل القوة المحركة لأي استثمار في عدن، وهذا ليس رجمًا بالغيب فمنذ الاستعمار البريطاني لعدن وأبناء تعز يمثلون عصب التجارة والعمل هناك، وسيكونون كذلك في حالة أي استقرار للأقاليم اليمنية الستة حال إعلان الدولة الاتحادية.

في 2014 جلست لأحد مستشاري الرئيس هادي ونائبه في مؤتمر الحوار الوطني، وكان يتحدث عن الأقاليم ويميل إلى فيدرالية من إقليمين بدلًا عن ستة أقاليم، وكنت أنا لا أميل إلى أي من المقترحين، تهمني فدرالية موضوعية بناء على التجانس السكاني والموقع الجغرافي والفرص الاقتصادية للسكان، سألته من سمح لكم يا طرفي مقترحي الفدرالية أن تجعلوا تعز في إقليم وعدن في إقليم، هل نظرتم للقرب الجغرافي أم للبعد الاقتصادي، أم للبعد الديمغرافي؟ وكانت إجابته لا، كنت مدركًا حينها أن الجميع يغنون على إيقاع أهوائهم لا على ما يصلح للناس.

وأضف إلى فاعلية تعز المتنوعة الفاعلية السياسية، فبالنظر إلى الحركات السياسية فمعظمها نشأت في تعز أو على أيدي أبناء تعز في الشمال والجنوب، ولذا تجد الحزبيين الفاعلين في كل الأحزاب هم من أبنائها، وهذا يؤهل تعز للعب دور سياسي يتناسب مع قدراتها في المستقبل.

كما أن تعز ستمثل في المستقبل الثقل الفعلي للدولة وأقاليمها، وسيتطور الإقليم الواقع في إطارها قبل غيره، ففي حال الاستقرار ستحقق تعز بسكانها المؤهلين لبناء الدولة استقرارًا سريعًا، لأن هناك تعطش للرفاهية، ووفقًا لسنن الكون "من هو قادر على العمل هو القادر على الإنجاز والاستقرار والرفاهية"، والثروة هي السكان.